أخبار وأحداث
كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
في تدشين مطرانية صيدا (بعد ترميمها) وافتتاح مركز الدراسات الإسلاميّة –المسيحيّة
مطرانية صيدا للروم الملكيين الكاثوليك – صيدا
4 كانون الأول 2010
_________________
لكم أيّها الأحباء أطيب التحيّة في هذا اليوم المبارك وفي هذا الصرح اللبناني الصيداوي المسيحي العريق: مطرنية الروم الملكيين الكاثوليك التي تمّ ترميمها بهمّة راعيها الشاب العالم، الشجاع، الواضح الرؤية، المحاور، المواطن المخلص المطران إيلي بشارة حداد. فهذه المطرانيّة وكنيستها والمؤمنون المنتمون إليها هم كلّهم جزء لا يتجزّأ من تاريخ صيدا ونسيج رائع من نسيج جميع سكانها الأحباء. تفوح عليهم جميعا أطيابُ وعطورُ زهرِ بساتينها، وتنعشها نسماتُ بحرها، وتسطِّر أمجادها قلعتُها وخانها وكنائسها وجوامعها ومعالمها العامرة.
وتزيد فرحتنا فرحة بأن نكون معا، مطارنة وشيوخا وأئمة وعلماء (وكهنة، ورهبان وراهبات)، وراعي الأبرشيّة، ورئيس الجامعة اليسوعيّة، مجتمعين باسم المحبّة والعلم والفضيلة والأخوّة الصادقة، لكي ندشّن مركز الدراسات الإسلاميّة المسيحيّة. وقد أردناه نحن بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك مع الجامعة اليسوعيّة، مشروعا لبنانيّا حواريّا علميّا، إسلاميّا مسيحيّا، لكي يكون بودقة إيمانيّة، وطنيّة، إجتماعيّةً، تراثيّةً، علميّةً، تُنيرُ درب شبابنا وشاباتنا، في مسيرة هذا الوطن الحبيب لبنان، الذي دعاه بحق البابا الراحل خادم الله يوحنا بولس الثاني: "إنه رسالة".
إن هذه المركز وسيلة تسهم في تحقيق هذا التحديد العظيم الفريد لوطننا. إن هذا المركز رسالة، يحقق رسالة لبنان، نموذجِ العيش المشترك، والمواطنيّة والحريّة، والتآخي، لا بل المحبّة التي يجب أن تكون ميزة اللبنانيين. وهي فوق كل العبارات الأخرى التي نتغنّى بها: التسامح، وقبول الآخر، والاحترام، والتقدير والاكرام. ذلك أن القديس بولس يصف الفضائل كلّها. ولكنّه يختم كلامه بقوله: "هذه الفضائل الثلاثة الإيمان والرجاء والمحبّة. وأعظمهنّ المحبّة... وهي لا تسقط ابداً" (1 كورنثس 13).
ليكن مركز الدراسات الإسلاميّة المسيحيّة مركزَ ومدرسةَ ومعهدَ محبّة. بحيث تنطلق هذه الدراسات من المحبّة وتكون الشهادة التي تعطى بعد إكمالها، "شهادة ودبلوم المحبّة".
أيّها الأحباء،
إن عبارة "الدراسات" مهمّة جدّا. وهي أساس الحوار. واليوم أكثر من كلّ وقت مضى نحتاج إلى هذه الدراسات المشتركة ، لكي نعالج القضايا الكثيرة التي تشكّل تحدّيات مشتركة حيويّة ومصيريّة لنا جميعا، مسيحيين ومسلمين، في لبنان وفي كل البلاد العربيّة.
وإلى هذا أشار السينودس الخاص بالشرق الأوسط الذي عقد في روما (10-24 تشرين الأول 2010) وقد شاركت فيه مع إخوتي بطاركة الشرق الكاثوليك، ومطارنة الشرق المسيحي ومنهم الإخوة الأساقفة المشاركون في هذا اللقاء.
وقد أشار المشاركون في هذا السينودس إلى هذه التحديات. ومنها: حريّة الدين والمعتقد، والعيش المشترك، وقبول الآخر، وبناء الكنائس، وحقوق المرأة والطفل، والتبنّي ومساواة الرجل والمرأة...والعنف والأصوليّة والإرهاب والتكفير والهجرة، والإلحاد العملي، والماديّة، والانحلال الخلقي. كلّ هذه تحتاج إلى "دراسات" مشتركة متخصّصة لأجل تحليلها واكتشاف أسبابها، ومأسويّتها، وخطورتها بخاصة على شبابنا مسيحيين ومسلمين.
أجل إننا نحتاج إلى دراسات مشتركة حول الآفات التي تهدّد كياننا، وقيمنا الإيمانيّة ، مسيحيّة وإسلاميّة. فإن جذورها ليست في الإسلام، ولا في المسيحيّة. بل جذورها هي في الخروج على قيم المسيحيّة والإسلام. وإلى هذا أشار السيد المسيح في أمثاله عن ملكوت الله. ومنها مثل زؤان الحقل. حيث زرع الزارع، أي الله، حنطة جيّدة. فبعد قليل خرج الزرع وخرج معه الزؤان القاتل، وكاد يقتل القمح. وهذا ما قاله بولس الرسول شارحا وجود الشر في المجتمع، وقال: "إن سرّ الإثم يعمل في العالم" (2 تس 2: 7). أجل سرُّ الإثم يعمل في العالم ويهدّد مجتمعنا المسيحي الإسلامي.
كلّنا نستنكر ثمار عمل سرّ الإثم: الإرهاب والأصوليّة السلبيّة، والعنف والتعصّب وإهانة المؤمنين لإخوانهم المؤمنين مسيحيين ومسلمين. لا يكفي الاستنكار، كما جرى ويجري بعد الإهانات للنبي محمّد. وكذلك جرى ويجري انتشار الزؤان في عائلاتنا ومن خلال قتل إخوتنا المصليّن الآمنين في كنيسة سيّدة النجاة في العراق وسواهم في مصر وباكستان....
واسمحوا لي أن أُضيف خاطرةً تُراودُني منذ قديم. ومع تقدُّم الأيَّام أتأكَّدُ من صحَّتها:
1_ إنَّني أعتبرُ أنَّه من الضروري البحث في العُمق عن الأصوليَّة والتَّكفير والإرهاب بستار الدِّين، والعنف ومضايقة المسيحيِّين هنا وهناك على وتيرةٍ متصاعدة.
2_ إنَّها ليست من الإسلام الحقيقيّ بشيئ.
3_ ولكنَّها تُشكِّل الخطر الأكبر على الإسلام نفسه. والنتيجة ضربُ الإسلام، وإظهاره بصورةٍ بشعة.
4_ كما أنَّها تُشكِّل الخطر الأكبر على العرب والعالم العربي ذي الأغلبيَّة المسلمة، لكي يظهر العرب والمسلمون في البلاد العربيَّة، أنَّهم كلُّهم إرهابيُّون وقتلة وأصوليُّون... وهكذا لا تُعطى لهم حقوق، وبنوعٍ خاصّ للفلسطينيِّين. وهذا يُفسِّر عدمَ اتِّخاذ قرارٍ دوليّ وإسرائيليّ حاسم في حلِّ الصِّراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعدم الموافقة على قيام دولةٍ فلسطينيَّةٍ مستقلَّة.
5_ هذه الأمور كلّها، والمواقف المتطرِّفة، والمضايقة للمسيحيِّين ولأقليَّاتٍ أخرى في البلاد العربيَّة، وعدم السَّماح ببناء الكنائس في بعض البلدان العربيَّة، وعدم منح حرِّيَّة المعتقد، والتَّضيِّيق في ممارسة حرِّيَّة العبادة... (وآخر المضايقات في مصر والعراق...)، تزيد في الأحكام السَّلبيَّة على الإسلام والعالم العربي.
6_ كلّ ما تقدَّم هو وقودٌ لنارٍ تُطبَخُ عليها الدَّولة اليهوديَّة، في إسرائيل. دولة يهوديَّة ليهود العالم أجمع من منطلق منطقٍ أُعبِّر عنه كالتَّالي: إسرائيل تقول للعالم: أُنظروا كيف يُعامل العرب والمسلمون المسيحيِّين والأقليَّات، وكيف يضَّطهدونهم ويُضيِّقون عليهم... إذًا ماذا سيكون إذا تركنا العرب يعيشون معنا في الجليل؟ وإذا سمحنا بقيام دولةٍ فلسطينيَّةٍ عربيَّةٍ إسلاميَّة، فستكون على شاكلة الدُّول العربيَّة الإسلاميَّة الإرهابيَّة الأصوليَّة؟
7_ وعلى هذا تمضي إسرائيلُ سبلاً في تأسيس دولةٍ يهوديَّة... وتعمل على خلقِ دولٍ عربيَّةٍ دينيَّةٍ إسلاميَّة، سنِّيَّة، شيعيَّة، مسيحيَّة، كرديَّة إلخ...
هذه هي الأخطار التي تُهدِّد العالم العربي، الإسلام وحتَّى المسيحيَّة سواء بسواء.
وقد كتبت رسالتين إلى الملوك والرؤساء في العالم العربي، قبل السينودس وبعده، لكي أشرح معنى هذا السينودس وآليّة عَمله وأهميّته والقيم الإيمانيّة الإنسانيّة التي دافع عنها. وهذه بعض مقاطع من الرسالة الثانية بعد انعقاد السينودس:
-
كان حاضرًا لكل مداولات أعضاء السِّينودس الحوار الإسلامي – المسيحي في كل أبعاده وأشكاله وأهميَّته، لا بل ضرورته الملحَّة، وتنشيطه وتطويره، ودعمه من قبل الجميع مسيحيِّين ومسلمين.
-
وناقش الآباء التَّحديات التي تواجه الحضور المسيحي ومنها الهجرة، وعدم الاستقرار والأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة والحروب المتتالية في المنطقة... وقد تفاقمت بخاصَّة بسبب الصِّراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو أساس الكثير من ويلات مجتمعنا وآفاته. فقد تسبَّب في زرع البغض والكراهية بين المواطنين محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، مسيحيًّا وإسلاميًّا، وفي الأصوليَّة والإرهاب والعنف... وظهرت الصورة في العالم وكأنَّ الإنسان العربي، والمسلم وحتى المسيحي، يولَدُ إنسانًا إرهابيًّا وأصوليًّا! وكأنَّ الدِّين أصبح سبب العنف والإرهاب والأصوليَّة! والدِّين براء من كل ذلك! وهكذا أصبح مجتمعنا معنَّفًا! وطالت هذه الآفات بخاصّة شبابنا وأجيالنا الطَّالعة!
-
وشدَّد أعضاء السينودس على تخطّي هذه الأزمات والحواجز والصُّعوبات. وضرورة متابعة السَّير معًا. لا بل اعتبروا أنَّ نجاح تجربتنا الفريدة والصَّعبة في العيش المشترك هو ضمانة نجاح الحوار بين مؤمني الأديان والمعتقدات المختلفة. لا بل تبيَّن للجميع واضحًا، وإلى ذلك أشارت الصَّحافة كلّها بتكرارٍ وإصرار، بأنَّ سقوط وعدم نجاح تجربتنا التعايشيَّة، مسلمين ومسيحيِّين، في الشرق الأوسط، سيكون هدّامًا لكلِّ إمكانيَّات الحوار، وسيؤذن بالخطر المتطاير، بأنَّ كلَّ حوارٍ بين البشر، وبين الحضارات والأديان، شرقًا وغربًا، سيكون فاشلاً.
-
وإذ ذاك ستكون المعادلة الناتجة من هذا الواقع كالتالي: إذا أُفرِغَ الشرق من مسيحيِّيه وهو مؤشّرُ ونموذجُ التَّعدُّديَّة والحوار فيه، فأصبح الشرق العربي مسلمًا بدون مسيحيِّين، واعتُبر الغرب مسيحيًّا (ولو غير مؤمن وفقط بالمعموديَّة)، وهذا الغرب يدعم إسرائيل المعتَبرَة عدوًا للإسلام والمسلمين، تحتَّم أن تكون المعادلة كالتالي: الغرب المسيحي يدعم الوجود الإسرائيلي واليهودي، والذي يُعتبَر عدوَّ الإسلام. وبالتالي العالم المسيحي الأوروبي هو عدوّ الإسلام والمسلمين. وهذا هو الشرُّ المتطاير! وهذا هو المستقبل المظلم المرعب! لا سمح الله بحدوثه!
وبهذه المقاطع أختم حديثي. كما يسرّني أن أوزّع نسخة من المحاضرة الموجّهة خاصّة إلى المسلمين وهي بعنوان: "السينودس لأجل الشرق الأوسط والعالم العربي" ونص الرسالتين اللتين أرسلتهما إلى الملوك والأمراء والرؤساء العرب.
أيها الأحباء،
إن مركز الدراسات، إن الحوار، إن مراكز الحوار المسيحي الإسلامي، إن عيشنا المشترك أي تضامننا، إن عملنا المشترك هنا في لبنان والبلاد العربيّة، هو الرد الحقيقي لوئد هذه المؤامرة، التي أشرتُ إليها أعلاه، وهي تستهدفنا معاً مسلمين ومسيحيين وتهدّد أوطاننا وأجيالنا وإيماننا مسيحيين ومسلمين.
ونحن المسيحيّون، والسينودس لأجل الشرق الأوسط، تدارسنا معا تحدياتنا... وسنبقى نعمل معًا لفضح وإفشال تحقيق ونجاح هذه المؤامرة.
نصلّي لأجل نجاح رسالة مركز الدراسات الإسلامية المسيحية ونبارك لسيادة المطران إيلي بشارة حدّاد وجميع أبناء الأبرشية، مبنى المطرانية بحلّته الجديدة بعد ترميمه.
شكرًا لكم ولتشملكم نعم الله تعالى ومراحمه.
مع محبتي وأطيب الأماني
غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم
للروم الملكيين الكاثوليك
;