|
أخبار وأحداثأخبار الأبرشيات والرهبانيات
رعية القديسيسن بطرس وبولس في أوتاوا
|
![]() |
يوم الأحد الماضي، الواقع في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني، إحتفل الشعب اللبناني في الوطن والمهجر بالذكرى السادسة والستين لاستقلال لبنان. وقد ترأس سيادة المطران إبراهيم إبراهيم القداس الإلهي في كنيسة القديسين بطرس وبولس للروم الملكيين الكاثوليك في أوتاوا إحتفاء بالمناسبة، والتي تتزامن مع الذكرى الثامنة والأربعين لامتلاك أول كنيسة لرعيتنا في أوتاوا مع عقار الأرض القائمة عليها بسعي وجهود المرحوم الأب ثيوفيل عطالله المخلّصي، وتكريما لسعادة السفير اللبناني مسعود معلوف الذي ينهي خدمته في السلك الدبلوماسي لبلوغه سن التقاعد. وقد تقدم حشود المصلين عدد من المدعوين ومن بينهم القائم بأعمال السفارة البابوية في أوتاوا المونسنيور لوقاس لوروسّو، وسعادة القنصل اللبناني العام في مونتريال الأستاذ خليل الهبر وعقيلته السيدة مريز، وسعادة القنصل اللبناني جورج ابو زيد السكرتير الأول في السفارة اللبنانية في أوتاوا.
وقد ألقى سيادته عظة بالمناسبة جاء فيها: " مرة جديدة تجتمعون اليوم للاحتفال بعيد تأسيس كنيستكم، ومنكم ربما من يتذكر مراحل تاريخ هذه الرعية التي منذ العام 1920 بدأ الكهنة بزيارتها وخدمتها. وكان سلفي في رعية كليفلند أوهايو الأب ملاتيوس مفلح أول من أرسل لخدمتكم آنذاك. 89 سنة مرت والرهبانية المخلصية ما زالت تؤمّن خدمة هذه الرعية المباركة. عدد كبير من الكهنة المخّلصيين خدموا هذه الرعية فبقيت أسماء كبيرة عالقة في ذهن أبنائها مثل أسماء الآباء: سمعان نصر- مكسيموس شتوي- بشارة تلج- غريغوار عبود- تيوفيل عطالله- كيرلس حداد- الياس كويتر- فؤاد نصر سليمان حجار- جورج اسكندر وحبيب كويتر الذي أبرم اتفاقا مع أبرشية أوتاوا ومجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان والرهبانية المخلصية بحيث تكون دائما خدمة هذه الرعية من حق الرهبانية المخلصية. وهذه الاتفاقيات معروفة في معظم أبرشيات العالم. واليوم يخدم هذه الرعية كاهن مخلصي غيور هو قدس الأب مكاريوس وهبة المحترم. أما الآباء الأحباء الأبرشيون فإنهم هم أيضا يساعدون في الخدمة وقد كان أولهم قدس الأب فرنسوا بيروتي وقدس الأب نديم بطيخ المحبوبين.
على مر السنين عاون الآباء في تدبير شؤون الرعية علمانيون ملتزمون ساهموا إسهاما كبيرا في إنجاح رسالتها وزادوا من إشعاعها في هذه المنطقة. وقد ذاع صيت رعية أوتاوا كرعية مثالية رائدة. هذا الصيت هو كنز هذه الرعية الذي يجب أن تحافظ عليه مهما بدت الصعوبات والتحديات كثيرة. أحيانا قد يظن البعض أن المحافظة على هذا الإرث شبه مستحيل وأن الأمور متعثرة. لهؤلاء الأحباء أقول: إن ما يراه الله في غدنا لا نراه نحن وأننا لسنا ولن نكون يوما في كمال فالكمال لله وحده. يا إخوتي إن الذين تضافروا بنجاح واشتروا هذه الأرض وما كان عليها سنة 1961 ليسوا أفضل منكم، بالرغم من تقديرنا العظيم لهم، فأنتم أيضا قادرون أن تتابعوا مسيرة العطاء لمستقبل هذه الرعية. التحدي اليوم ليس فقط في الحفاظ على ما تم، بل بتطوير وزيادة ما يمكن إضافته على ما قد تم. إن جهود من سبقوكم أدت إلى تأسيس هذه الرعية تأسيسا قانونيا في العام 1964 يوم عيد الصليب. فالصليب الذي حمله آباؤكم بفرح أثمر لكم رعية رائعة. أما الصليب الذي تختارون أنتم اليوم أن تحملونه في سبيل هذه الرعية فإنه سيثمر خيرات تفوق توقعاتنا وآمالنا.
إننا عندما نحاول رفض حمل الصليب لما فيه خير عائلاتنا وأولادنا وأعمالنا ومجتماعتنا وأوطاننا ورعايانا أو عندما نحاول أن نحل مشاكلنا باستعمال السلبية والعنف، عندها ينطبق علينا ما ورد في سفر العدد فصل 22 من العهد القديم حيث نقرأ قصة النبي بلعام الذي كان ماضيا في مهمة وهو يركب حماره وفجأة وفي منتصف الطريق توقف الحمار وأبى أن يكمل سيره فغضب بلعام جدا وبدأ بضرب الحمار. ضربه مرة أولى وثانية لكن الحمار أبى أن يتابع المسير. ثم ضربه بلعام ضربا قاسيا للمرة الثالثة، فنطق عندها الحمار وقال لبلعام: ماذا صنعت بك حتى ضربتني ثلاث مرات؟ فقال بلعام للحمار: لأنك سخرت مني، ولو كان في يدي سيف لكنت قتلتك على الفور. فقال الحمار لبلعام: ألستُ أنا حمارك الذي ركبته منذ كنت إلى اليوم؟ هل عوّدتك أن أصنع بك كذا؟ قال: لا. فكشف الرب عن بصر بلعام، فرأى ملاك الرب واقفا في الطريق، وسيفه مجرد بيده، فانحنى ساجدا على وجهه . فقال له ملاك الرب: لماذا ضربت حمارك ثلاث مرات؟ فهاءنذا خرجت ووقفت مقاوما، لأن الطريق مسدود فرآني الحمار فمال من أمامي ثلاث مرات، ولو لم يمل عني لقتلتك على الفور وأبقيته. فقال بلعام لملاك الرب: قد خطئت لأني لم أعلم أنك واقف تجاهي في الطريق. والآن فإن حسن في عينيك فإني أرجع. فقال ملاك الرب لبلعام: امض مع الناس، والقول الذي أقوله لك إياه تقول فقط. فمضى بلعام.
أنا أعتقد أن بلعام كان يقبّل حماره في طريق العودة ويشكره لأنه بعناده خلّص حياته من الموت المحتم رغم ضربه المؤلم له. فبين إرادة الله ورأينا في الأمور شعرة لا نستطيع غالبا أن نراها. عندما تتوقف الأمور وتتعثر عكس إرادتنا فلنعد إلى ذواتنا عل الله يحاول أن يرينا طريقا آخر. ولنتأكد أنه كل مرة نختار العنف لحلحلة الأمور فإن ذلك يعني ببساطة أن طريقنا قد انفصلت عن طريق الله. وعندما نعمل كل شيء نستطيع عمله لهدف معيّن ولا يكون لنا ما نريد فلنتذكر أن ملاك الرب ربما يقف في مكان ما من الطريق ولنتوقف فورا عن ضرب الحمار. أحيانا تسبقنا الطائرة أو نتأخر عن العمل وقد ينفجر إطارنا أو يرفض مصرفنا من إعطائنا دينا نحتاجه أو نمرض في أصعب الظروف. كل هذه العوائق يمكن أن تكون ذاك الحمار الذي يحاول تجنيبنا مهالك نعجز نحن عن رؤيتها. كثيرا ما نحسب أنفسنا بعيدين جدا عن الحقيقة بينما نحن أقرب ما يكون منها، وكثيرا ما نحسب أنفسنا في القمة بينما نحن في الحقيقة في الحضيض وفي قلب المخاطر.
إخوتي، عندما يرفض فجأة الحمار الذي يقلّك أن يتحرك لا تضربه، فلربما هو يخلّصك، بل انزل عن ظهره وفتش عن الملاك الذي يعترض الطريق وهو غير منظور. حرام أن نضرب الذين يخدموننا. فالله الغير المنظور يستعمل المنظور لخيرنا. وحتى المرض قد ينتج البركة.
ألرعية في مسيرة طويلة والله يقودها بالمنظور وبغير المنظور فلنشكر الله على أوتاوا وعلى تاريخها الرائع ولنسأله أن يهبها مستقبلا مشعا فيه ترى أجيالنا الطالعة نور المسيح. فيسيرون في النور ما دام لهم النور.
واليوم أيها الأخوات والإخوة يصادف عيد استقلال لبنان الذي يمثّله بيننا سفير مميز وقناصل أحباء. وزيادة على كونه من أفضل سفراء لبنان منذ استقلاله وحتى اليوم، وبشهادة الجميع، فإن فخرنا يزيد بسعادة السفير مسعود معلوف الذي هو ابن لكنيستنا الملكية الكاثوليكية. رجل لا يسعني الزمن هنا لوصفه لأنه مختصر سنين طوال من الخبرة والحكمة والخدمة والوفاء. إنه أرزة حيّة تنقّلت في أوطان الأرض حتى صارت هي وطن التاريخ ووطن الانسان. إنه الوطن الجوّال الذي انطلق من عطر كفقرقطرة في جبل لبنان قطرة أريج جالت الأرض دون أن تذوي ودون أن تذوب. إسمه مسعود، وفي اليونانية مكاريوس، ومكاريوس الكبير كان قدّيسا عظيما من أهم صفاته التي بدت عليه منذ شبابه ”الحكمة“. فكان أصدقاؤه ومحبوه يدعونه ”الشاب الشيخ“ أو ”الصغير صاحب حكمة الشيوخ “. وقد سُئل مرة القديس مكاريوس: أيُّ الفضائل أعظم؟ فأجاب وقال: إن كان التكبُّر يعتبر أشر الرذائل كلها حتى أنه طرح طائفة من الملائكة من علو السماء، فبلا شك يكون التواضع أكبر الفضائل كلها لأنه قادر أن يرفع المتمسك به من الأعماق حتى ولو كان خاطئاً.
يا سعادة السفير إن شفيعك كان شخصية زاخرة بعناصر إنسانية ينبغي أن يُقتدى بها. وأنت قد اقتضيت فافلحت حتى صرت سفير الكرم والحكمة والتواضع والمحبة. إن رعية القديسين بطرس وبولس أرادت اليوم أن تكرمّك وحتى تكون دائما حاضرة معك فلا يبقى للوداع شوكة أرادت أن تهديك إيقونة من تقليد أجدادك، بيزنطية مكتوبة بالصلاة والتأمل، كُتبت خصّيصا لك، تذكّرك بوجه الحكمة الذي لا يمحيه زمان، بل يحيا مدى الدهور، وجه القديس مكاريوس الكبير."
ومن ثمّ قدّم سيادة المطران لسعادة السفير ، باسم رعية القديسين بطرس وبولس، وباسم كهنتها، هذه الايقونة البيزنطية التي نقرأ فيها ملامح وجه القديس العظيم مكاريوس شفيع سعادته. فالسعيد والمغبوط والمسعود هو ترجمة للإسم مكاريوس ذي الأصل اليوناني.
بعدئذ، ألقى سعادة السفير اللبناني كلمةً شكر فيها سيادتَه وأبناء الرعية وكهنتها وكل الحاضرين والمشتركين في القداس وفي حفل تكريمه، وعبّر عن جزيل المحبة واللطف والتعاون والحفاوة التي شهدها من الجميع طيلة السنتين والأربعة أشهر التي خدم فيها الجالية اللبنانية في كندا كسفير لوطنه لبنان. وبعد القداس شارك الجميع بالغداء المقام في قاعة الكنيسة، وقد ألقى السيد ?كتور خلف قصيدة بالمناسبة هذه أبياتها:
يُذكرُ الإنسانُ في أعمالهِ وينال الشكرَ عن أفعالهِ
هوَّذا مسعودُ في إنجازهِ قد شكرناهُ على أفضالهِ
ما كفانا عهدُهُ في قصْرِه ليتَه يبقى إلى استكمالِهِ
ما ارْتوَينا من جنى آبارهِ ما شبعنا من سَخا أموالهِ
عهده عهدٌ جميل صادق لم نرَ صُنْوا إلى استبدالهِ
هو أغلى من صديق إنّنا قد فرحنا عند إستقبالهِ
لا تروني مكثرا في مدحه جوهر الحكمة في أقوالهِ
إنّ لبنان وفيٌّ مثلمـا أوفياء نحن في إستقلالـهِ
نحن في بيعتنا نطلبُ من صاحبِ البيعةِ أو أمثالـهِ
أن يكافيهِ جزاءً معـه أقربُ القُربى إلى أعيالهِ
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |