أخبار وأحداث
معايدة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
بمناسبة عيد الفطر السعيد للعام 2011
يطلّ عيد الفطر السعيد الذي يعقب شهر رمضان الفضيل، والعالم العربي والإسلامي في سلسلة من الثورات الدامية. ولسان حالنا القول المأثور: بأية حالٍ عدتَ يا عيد؟
إننا كعادتنا، وبصفتنا أيضًا رئيس مجلس الكنائس الكاثوليكية في سورية، نتوجّه بأمل ورجاء إلى إخوتنا المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ونعايدهم باسمنا وباسم بطريركيتنا وكنيستنا ومطارنتنا وكهنتنا ورهباننا وراهباتنا وعموم مؤمنينا في البلاد العربية وفي كلّ مكان ونعايدهم بكلّ محبة. وجميعنا لنا صداقات حميمة مع مواطنينا، في قِطاع العمل الاجتماعي والخيري والثقافي والاقتصادي والوطني والسياسي... فنحن نعيش معًا ونعمل معًا لأجل لقمة العيش والتحصيل العلمي والإنماء في كلّ مرافق الحياة.
لقد شاركنا إخوتنا المسلمين الأحبّاء هذا العام في صوم رمضان من خلال صيام مريم العذراء "ستنا مريم"، كما يروق لإخوتنا المسلمين أن يسمّوها. وقد أصدرنا كلمة في مطلع رمضان وهو شهر آب، دعينا فيها أبناءنا وبناتنا إلى الصوم والصلاة مع إخوتنا المسلمين. وبخاصّة دعونا إلى الصلاة لكي تهدأ هذه الثورات الدامية التي تدمّر الإنسان، والقلوب، والمشاعر والإخاء والتراحم، كما دمّرت وتدمّر المؤسسات وقد خلّفت آلاف الضحايا في عالمنا العربي الدامي الحزين النازف دمًا وألمًا...
نريد أن نصوُغ معايدتنا لهذا العام في عيد الفطر المبارك بباقةٍ من الأماني والأفكار التي نستوحيها من واقع بلادنا العربية المؤلم، إذ إننا كمسيحيين نشعر بالمسؤولية تجاهه. وقد كنّا عبر تاريخنا المشترك الطويل (1432 عامًا) متضامنين مع عالمنا العربي والإسلامي، وساهمنا في بنائه وثقافته وحضارته وأدبه وشعره وعروبته وفي حروبه. وذلك من منطلق قناعتنا أننا جسم واحد، وإذا تألّم فيه عضوٌ تألّمت معه سائر الأعضاء، وإذا فرح عضوٌ فرحت معه سائر الأعضاء. وقد جاء في الحديث الشريف: "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد الواحد. إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".
كما كنّا ننتظر أن يتحرك العالم العربي (البلاد العربية والبلاد الإسلامية) في هذه الظروف المأسوية، ويعقدوا قمّة بل قممًا متتالية لمعالجة آلام وآمال شعوبهم ويتفاعلوا مع ثورات الأجيال الطالعة. ومعًا يحلّلون أسبابها ومؤشّراتها وأبعادها وأهدافها وأخطارها والفرص التي يمكن أن تقدّمها لنا جميعًا. وبدل أن نترك الغريب، مهما كانت نواياه، يتدخّل في شؤوننا ويملي علينا أفكاره، ويهدّد حكوماتنا، ويدعو رؤساء بلادنا إلى التنحِّي والاستقالة والرحيل... ويُذلّ رموز بلادنا العربية، بالعزل والمحاكمات المهينة... كنا ننتظر أن تنظّم البلاد العربية، ملوكًا ورؤساء وأمراء، صفوفها وتطرح جانبًا مصالحها الفردية وتتغلّب على تشرذمها وأحلافها الجزئية الضيّقة، وتقف معًا صفًّا واحدًا أمام هذه التسونامي من الثورات التي طالت بدرجات متفاوتة تقريبًا نصف مجموعة البلاد العربية.
لم يفت الأوان! الفرصة لا تزال متاحة أمام المسؤولين في عالمنا العربي والإسلامي أن يأخذوا مأخذ الجدّ كلّ الشعارات التي دوّت بها ساحات عواصمنا ومدننا وقرانا، ويجمعوها، ويجعلوا منها برنامج عمل جماعي عربي مشرقي، وأقول إسلامي مسيحي، لأجل مستقبل أفضل لشعوبنا وبخاصّة لأجيالنا الشابّة الطالعة التي نزلت إلى الشارع العربي.
لا يمكننا ولا يجوز لنا أن نتنكّر لهذه الأصوات والشعارات والمطالب مهما كانت دوافعها وخلفياتها. فنحن مقتنعون بأن عالمنا العربي يحتاج إلى ثورة فكرية وروحية واجتماعية. ولكن ليس بهذه الطريقة التي نشاهدها على شاشات التلفزيون عبر وسائل الإعلام منذ مطلع هذا العام 2011.
ومن منطلق إيماننا ومن منطلق مسؤوليتنا كبطريرك يحمل الجنسية السورية وحائز على جواز سفر لبناني وفلسطيني ومصري، وزعيم روحي لطائفة تميزت بالوقوف بصراحة وعزم وتصميم إلى جانب قضايا العالم العربي وبخاصّة القضية الفلسطينية، نكتب هذه الرسالة بصراحة وجرأة. ومن هذا المنطلق نسمح لذواتنا أن نجمع حصيلة الأمور والمشاكل التي برزت من خلال هذه "الثورات". وقد عبّرنا عن ذلك في العديد من المقالات، والمقابلات التلفزيونية والرسائل التي بعثنا بها إلى الملوك والرؤساء في العالم العربي، وإلى دول الاتحاد الأوروبي، وإلى أميركا وكندا وأميركا الجنوبية وأوستراليا، وإلى كرادلة ومطارنة ورؤساء المجالس الأسقفية في العالم الكاثوليكي المسيحي. وكان ذلك بمناسبة انعقاد السينودس الخاص من أجل الشرق الأوسط في شهر تشرين الأول 2010.
ومن منطلق إيماننا بالله وبالوطن، ومن منطلق قيمنا وقناعاتنا الروحية والوطنية نناشد إخوتنا وأخواتنا أن نعمل معًا في هذه الظروف الصعبة لكي نحافظ على وحدتنا الوطنية العربية، ووحدتنا الإسلامية والمسيحية، فنتجاوز المحنة ونتعالى على الجراح. ونعمل لأجل مجتمع عربي حضاري تزول فيه الفوارق الاجتماعية والمذهبية والإثنية، وتتحقّق فيه آمالنا كلّنا في الحقّ والعدل والكرامة والحرية الدينية والشخصية، ومحاربة الفساد، وتطوير الريف، ودعم الفقراء والمظلومين خاصّة في الريف والمناطق المحرومة من الطبيعة ومن التحديث، عاملين معًا لتحقيق ما يتطلّبه الإصلاح السياسي والاجتماعي والأسري على مدى العالم العربي الذي نعلن عن تضامننا معه، لأننا نحبه ونريد أن نكون فيه بناة عالم أفضل تسود فيه حضارة السلام والأخوّة والمحبّة... بحيث نكمّل مسيرة عيشنا المشترك، مسيحيين مسيحيين من مختلف الطوائف، ومسلمين مسلمين من مختلف الطوائف أيضًا في بلادنا العربية جمعاء. وهكذا نعطي للعالم وبعد هذه الثورات نموذجًا فريدًا عربيًا إسلاميًا مسيحيًا مشرقيًا، يساعد في حوار الشرق والغرب والإسلام والمسيحية في العالم بأسره. لا بل تكون هذه القضايا المذكورة أعلاه شرعة حقوق الإنسان العربي الحديثة. ويا حبذا لو عملت الدول العربية على وضع هذه الشرعة، كخلاصة لتفاعلها مع أوضاع شعوبها الراهنة.
وهكذا نحقق نداء القرآن الكريم في الآية الكريمة: "هلمّوا إلى كلمة سواء"ونحقق دعوة وصلاة يسوع في الانجيل المقدّس "أن يكونوا واحدًا لكي يؤمن العالم".
هذا هو البرنامج الواعد وهذا هو النظام الجديد، وهذا هو الشرق الأوسط الجديد وهذا هو المستقبل الزاهر الذي يمكن للبلاد العربية أن تحققه متحدة متضامنة. وهذه هي خريطة الطريق الحقيقية لأجل تحقيق آمال الأجيال الشابّة، وجميع المواطنين على اختلاف شرائحهم. وبخاصة هذه خريطة الطريق لأجل تحقيق السلام العادل والدائم والشامل الذي يمهّد للتطور والسؤدد والحرية والكرامة لكل شعوب المنطقة.
أيها الأخوة الأحباء! أيها الأصدقاء!
هذه معايدتي القلبية في عيد الفطر السعيد أقدّمها باقة روحية لاخوتي واخواتي المسلمين، لا بل لجميع المواطنين من كل الطوائف لأن أعيادنا تكون أعيادًا حقيقية، إذا كانت أعياد جميع المواطنين. ونُنهي بالدعاء والصلاة والابتهال لكي تزول غيمة هذه الأشهر القاتمة، وتشرق شمس الله علينا جميعًا مسلمين ومسيحيين، شمس الإيمان والرجاء والمحبة.
كـل عــام وأنتـم بخيــر
غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية والسائر المشرق
والاسكندرية وأورشليم