دراسات

كنسيات

 

الكنسيات بين الشرق والغرب خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك للمطران لطفي لحّام (البطريرك عغريغوريوس الثالث حاليًا)

 

المجمعيّة الأسقفيّة في الكنائس الشرقيّة

للأب إيلي حدّاد المخلصي

  • تأثير التقليد الشرقي على تنظيم السلطة في المجامع الملكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
  • كنيسة الروم الملكيين والمجمع الفاتيكاني الأول (1850-1947).
  • عشر سنين من التشريعات الحديثة العهد (1949-1958)
  • الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة والمجمع الفاتيكاني الثاني (1959-1965)
  • التشريع الجديد في مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة (القوانين 55-150)
  • حاضر الكنيسة الملكيّة (1991-2003)

تجد هذا الكتاب في جامعة القديس يوسف وفي جميع المكتبات الدينيّة

 

 

الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

المطران لطفي لحّام (البطريرك غريغوريوس الثالث حاليًا)

مقدمة المترجم الأرشمندريت فؤاد الصايغ

مقدمة

المقاربة المختلفة في الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

تكلم لا تكن أخرس!


 الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

 
مقدمة المترجم الأرشمندريت فؤاد الصايغ
                                             عودة الى أول الصفحة
لقد قمتُ بترجمة هذا المقال في السنة 1998، ولأسباب عديدة لم يُنشر. والآن، وبعد انتخاب كاتبه، سيادة المطران لطفي لحّام، بطريركًا لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك باسم غريغوريوس الثالث، أعدنا النظر فيه، وها نحن ننشره بعونه تعالى دون تغيير أو تحوير. مع العلم أنه قد نشر أولاً باللغة الألمانية (في تشرين الأول 1993)، ثم تُرجم إلى الإيطاليّة والفرنسيّة والأكرانيّة فنال رواجًا كبيرًا. نتمنّى أن يكون هذا المقال بذار عمل مسكوني مخصب في كنسيتنا، ونصوغ أطيب الأماني لأبينا وبطريركنا غريغوريوس الثالث بأن تتحقق مساعيه الحثيثة الصادقة في سبيل الوحدة المسيحية المنشودة.
قد نتساءل ما مبرر نشر هذا المقال اليوم بعد مرور تسع سنوات على كتابته؟
إن ما يدور اليوم في فلك الكنيسة الأنطاكية من أفكار وأعمال حثيثة لأجل وحدة الكنيسة هو المبرر الوحيد لهذا العمل. فالكنيسة الأنطاكية الملكية الكاثوليكية، على مر التاريخ،مرهفة الحس في هذا المجال، وقد رأت دومًا أن رسالتها في محيطها وظروفها هي الدعوة والعمل من أجل هذه الوحدة المرجوة. "مسيرتنا هذه تنجم عن صلاة يسوع ورغبته، كما يقول صاحب المقال نفسه، ونريد أن نحقق الوحدة كما يريدها هو وبالطرق التي يريدها".
وبما أن هم كنيستنا الأكبر، وهمّ أساقفتنا الشاغل والمقلق هو هذه الرسالة، قام آباء المجمع المقدّس مؤخرًا، وبدافع خاص من المطران الياس الزغبي الذي يمثل مجموعة من آباء الكنيسة الذين سعوا جهدهم في هذا المجال ورحلوا إلى الأحضان السماوية دون أن يروا ثمرة عملهم، فقد قدم هذا الرجل الكبير اعترافًا إيمانيًا مزدوجًا عبّر عنه في كتابه "ألسنا كلنا منشقّين؟" الذي ترجم إلى اللغات العالمية نظرًا لأهميته، وكمّله بوثيقة اعتراف أخرى "متحدون نعم، وحدويون كلا"، وقّعها آباء المجمع باغلبيّة ساحقة، واهتم بها المجمع الأرثوذكسي الأنطاكي، لأنهم يعيشون الهاجس نفسه ويرغبون رغبة المسيح نفسها. هذه الوثيقة درسها المجمع الملكي في السنة 1996، وأصدر إعلانًا يعبّر عن رغبتهم الجامحة في تحقيق رجاء المسيح الكبير ورجاء الكنيسة بأجمعها. يضع هذا الإعلان الأسس الأوليّة للوحدة، ويرى أن كنيستنا، لكونها شرقيّة (أرثوذكسيّة) وفي شركة مع روما (كاثوليكيّة)، فهي تضطلع بدور مميّز في السعي نحو الوحدة.
 أثارت هذه المبادرة ردة فعل محليّة وعالميّة كبيرة، أشعرتنا أننا نحث العالم كله، من خلال تحركنا الأنطاكي، على تحرك كنسي، وأن العالم ينتظر مبادرتنا ولا يزال يريد أن يسمع صوتنا كما سمعه في المجمع الفاتيكاني الثاني، كما أشعرتنا أن مبادرتنا واجب لا مفرّ منه وحق لنا وعلينا وأمر من صميم تقليدنا منذ البطريرك بطرس الثالث الذي حاول أن يقوم بدور المصالح وقت الانشقاق الكبير (1054)، إلى غريغوريوس الثاني الذي عانى كثيرًا من أجل الدفاع عن "حقوق البطاركة الشرقيين"، إلى مكسيموس الرابع بطل المجمع الفاتيكاني الثاني، إلى مكسيموس الخامس الذي كلل شيبته بمبادرة تقارب واتحاد سيخلّدها التاريخ.
 نقرأ في إعلان المجمع أن آباء المجمع المقدّس "يتطلّعون بشوق إلى ذلك اليوم الذي يعود فيه الروم الملكيّون الكاثوليك والروم الأرثوذكس، في بطريركيّة أنطاكية، كنيسة واحدة وبطريركيّة واحدة...و(بالنسبة إلى دور أسقف روما في الكنيسة والمجامع المسكونيّة) يستوحون المفهوم الذي عاشه الشرق والغرب معًا في الألف الأول على ضوء تعاليم المجامع المسكونيّة السبعة...ويعلنون بقاءهم في الشركة الكاملة مع كنيسة روما الرسوليّة، وسعيهم في الوقت عينه إلى التحاور معها لتجديد ما يقتضيه دخولهم في الشركة مع كنيسة أنطاكية الأرثوذكسيّة" (البنود2، 4و5).
 نرى أنّ إعلان المجمع هذا يفتح بابًا كبيرًا للدرس والتمحيص والتمييز والتدقيق حول "ما كان سائدًا في الألف الأول" في علاقات الكنائس، فالموضوع ليس بديهيًّا، وقد برهنت على ذلك كثرة التساؤلات التي طُرحت حول مفهوم الكنسيّات بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر.
 إن المقال المكتوب منذ تسع سنوات، والذي نقدّمه اليوم بالعربيّة، يدلّل على أن التساؤلات التي نجمت عن الإعلان المجمعي في السنة 1996 ليست بجديدة ولا يجهلها أو يتجاهلها آباء المجمع، بل هم يعالجونها منذ زمان طويل، عارفين انها مهمة صعبة، وعالمين أن المهمات الصعبة لن تثني ذوي العزم عن إرادتهم الصلبة.
 لقد آن أوان العمل العلمي والجدي، اللاهوتي والتاريخي والمسكوني، لتوضع النقاط على الحروف. فالشوق إلى الوحدة ومحبتها لا يكفيان، والعمل من أجلها واتخاذ المواقف الواضحة والمبنيّة "واجب وحق لنا وعلينا"، لذلك يجب أن نكثّف جهودنا ونحرّك العالم بأسره للسعي إليها. "سنتابع المسيرة باسمنا وباسم شعبنا" التوّاق إلى هذه الوحدة، وسنتابع العمل لأجل تحقيق مبادرتنا مع كل الجهّات الساعية إلى الوحدة والتي نريد أن نحسسها بهذا الواجب المقدس، ونطلب مساعدتها في هذا الأمر. هذه الجهات هي:
- روما التي نحن في شركة معها كاملة، ونريد المحافظة على كمال هذه الشركة... ونقترح أن نقيم لجنة من مجمعنا المقدّس تتابع الحوار مع روما بهذا الشأن،
- وإخوتنا الأرثوذكس هنا وفي العالم،
- واللاهوتيون المستشرقون... وإخوتنا الكاثوليك الشرقيّون... وإخوتنا البيزنطيّون الكاثوليك في العالم...".
 وكلنا أمل بأن تكون الألفيّة الثالثة مرحلة مهمة في مسيرتنا وفي تحقيق هدف مبادرتنا.
 هذا المقال لأسقف. والأسقف يحمل الوحدة في حياته وخدمته وموهبته الأسقفيّة من خلال الشموع المثلّثة والمثناة التي يبارك فيها الشعب والتي ترمز إلى الثالوث الواحد في الجوهر وإلى طبيعتي المسيح المتّحدتين في شخص واحد، يبارك ويصلّي لأجل الكنيسة-الكرمة الحقيقيّة التي غرسها المسيح، ويبارك ويجمع أغصان هذه الكرمة لتأتي بثمار مواهب الروح القدس المعبّر عنها بلهب هذه الشموع. أما وقد أصبح هذا الأسقف بطريركًا، فإنّ هذه الأفكار تأخذ بعدًا أكبر وأعمق، وتجد موقعها في رأس الكنيسة الملكيّة "الساهر".
 لأجل ذلك كلّه أردنا أن نضع هذا المقال اليوم بلغّة الضاد وبصيغته السابقة، آملين أن يكون قاعدة عمل مسكوني مستقبلي مخصب وزاهر في عهد بطريركيّة صاحبه، ومساهمة في دفع مسيرة الوحدة المسيحيّة إلى الأمام.
       
 
مقدمة
                                            عودة الى أول الصفحة
 من المفيد جدًّا أن نطرح على بساط البحث أهميّة الكنسيّات في حياة الكنيسة، لأننا نعيش في الكنيسة، وعلاقاتنا المتبادلة تتم فيها، ولأن مفهوم الكنيسة تميّز بأهميّة خاصة في تاريخ الكنائس المتعددة عمومًا، وفي علاقات الكنائس الحديثة خاصة.
 أسس السيد المسيح نفسُه جماعة وسمّاها الكنيسة، وهي مبنيّة على إيمان بطرس والرسل الذين يشكلون معًا "الجماعة الرسوليّة". فوجهُ الكنيسة الأولى يرتسم في القدس، ولكن منذ البدء وُلدت كنائس محليّة، فشاول أتى إلى دمشق ليضطهد الكنيسة التي نشأت فيها، وفي أنطاكي’ دُعي المؤمنون مسيحيين لأول مرة، وكلتا الكنيستين كانتا وليدَتي كنيسة أورشليم، ثم كانت كنيسة روما، ومن بعدها رأت النور كنائس أوروبا الأولى!
 توجّه القديس يوحنا الرسول، في "رؤياه"، إلى أساقفة الكنائس المحليّة بلقب جميل مسميًا كل واحد منهم "ملاك الكنيسة" (التي في أفسس...) (رؤيا2، 1...). وأسس الرسل كنائس محليّة عديدة، حتى إنّ سفر أعمال الرسل يخبرنا عن أول مجمع عقدته هذه الكنائس في أورشليم (أعمال الرسل 15، 5-35).
 إن دلّ ذلك كله على شيء، فهو يدلّ على أهميّة الكنسيّات في موضوع الحركة المسكونيّة التي تجد نفسها اليوم في طريق مسدود، ولا يمكنها الخروج منه إلا إذ بنت عملها على كنسيّات واضحة. فدراسة الكنسيات بين الشرق والغرب تساعد كثيرًا في حلّ المعضلات المسكونيّة المستجدّة. وها نحن نقدم في هذه الدراسة وجهة النظر الشرقيّة وخبرة الكنيسة الملكيّة في هذا المجال.
 ستشمل دراستنا ثلاثة أقسام:
1- المقاربة بين المفهوم الشرقي والغربي للكنسيّات.
2- خبرة الكنيسة الملكيّة في الكنسيّات.
3- مساهمة الكنيسة الملكيّة في الكنسيّات.
وسيكون كلامنا بنوع خاص على الكنيسة البيزنطيّة.

القسم الأول
المقاربة المختلفة في الكنسيّات بين الشرق والغرب
                                                     عودة الى أول الصفحة
نشأت الكنيسة الأولى في القدس، وسميت أم الكنائس كافة، كما حلا للقديس يوحنا الدمشقي أن يترنّم بها في أناشيد القيامة التي وضعها في مؤلفه "الأكتوئيخس" إذ يقول: "إفرحي يا صهيون المقدّسة، أم الكنائس، مسكن الله، لأنك أول من قبل غفران الخطايا بالقيامة".
 التأمت المجامع المحليّة أولاً في الشرق، وقد دعا إليها الأساقفة بموجب قاعدة محليّة. ولم نعرف ما سُمي بالمجامع العامة والمسكونيّة إلا لاحقًا. كذلك تطوّر مفهوم الكنيسة المحليّة بسرعة في الشرق، ولاحقًا أخذت بعض الكنائس دورًا مركزيًّا فوُلدت البطريركيّات في القرن الرابع لتمثّل مركزيّة السلطة المحليّة لكونها تتمتّع بأهميّة أكبر بالنسبة إلى الكنائس الأخرى حولها، ولكن دون أن تنتقص من سلطة أسقف الكنيسة المحليّة. ولدت البطريركيّات إثر قرارات مجمعيّة: نيقية (325) والقسطنطينيّة (381) وخلقيدونية (451)، وكانت هذه القرارات أساس المقاربة الكنسية التي اختلفت بين الشرق والغرب. فالشرق توجه بوضوح نحو الكنيسة المحليّة، بينما رأت روما بإلحاح أن لها الدور الأول في قيادة الكنيسة، وهذا ما نلمسه في تاريخ المجامع العامة، وخاصة السبعة المسكونيّة الأولى منها التي عُقدت كلها في الشرق. وما النظام البطريركي إلا تأكيد لهذا الفرق بين الشرق والغرب الذي بقي عالقًا دون حل حتى الآن. ظهر إذًا هذا الاختلاف بالرؤيا في المجامع الأولى التي أقرّت البطريركيّات الشرقيّة: القسطنطينيّة والإسكندريّة وأنطاكيا وأورشليم، وظهرت معه رؤيتان متفارقتان: تطلّبات روما وموقف الشرق الحذر الذي رفض ممارسة أوليّة الكرسي البطريركي الروماني على الكراسي البطريركيّة الشرقيّة.
تعود جذور الخلاف في المفهوم الكنسي بين الشرق والغرب والمشادة المستمرّة بينهما إلى الألف الأول. فروما تريد أن تكون الكنيسة البطرسيّة الأولى، والقسطنطينيّة تعتبر نفسها روما الجديدة وتصرّ على امتيازاتها وأوليّتها الخاصة، بينما تعتبر روما هذه الأوليّات حصيلة السلطة المدنيّة. هذا ما نجده في المجادلة الكبرى حول موضوع القانون 28 من مجمع خلقيدونية والذي عبّر عنه بحيويّة كبرى البابا لاون الأول الكبير. ولكن من الصعب حسم الموضوع، فقد استفادت روما والقسطنطينيّة سوية من السلطة المدنيّة، ولم تستطع الكنيسة يومًا أن تتخلّص من تأثير هذه السلطة.
بقيت هذه المشادة دومًا حيّة بين الأحبار الرومانيين، من جهة، الذين كانوا يؤكّدون سلطتهم بتطلّباتهم وتدخلاتهم حيث يستطيعون، والشرقيين، من جهة أخرى، الذين كانوا يقاومون التطلّبات والاعتدادات الرومانيّة. ولا تزال هذه المشادة المرض العصبي بين الكنيستين. والمسألة الكبرى التي تطرح نفسها اليوم هي كيف يمكننا أن نردم هذه الهوّة بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للكنسيّات؟ عبثًا نعتقد أن المشكلة المسكونيّة مبنيّة على العقائد الكنسيّة لأن جوهر هذه العقائد موجود في قانون الإيمان المشترك الذي تعترف به الكنيستان. العقبة الكبرى في الحركة المسكونيّة هي الكنسيّات، أي العلاقات بين الكنائس.
عندما نتكلّم على المفهوم الشرقي للكنسيّات يجب أن نؤكّد على أهميّة "الاستقلاليّة" (الأتونوميا والأوتوكيفاليا) المبنيّة على السلطة البطريركيّة التي يتمتّع بها البطريرك في الشرق، كما يتمتّع بها كل أسقف في أبرشيّته، والتي كانت استقلاليّة واسعة تمتد إلى جميع قطاعات الحياة الكنسيّة. فالبطريرك كان يقوم بكل المهام في بطريركيّته، كان الأب والرئيس لأمته (لملته)، ولم يكن يشعر بضرورة العودة إلى روما أو إلى أي بطريرك آخر يتمتّع بسلطة أعلى منه.
في كنيسة الشرق، كان اللجوء إلى روما حالة نادرة وشاذة عن القاعدة. أما اليوم فإن قوانين الكنائس الشرقيّة الجديدة، النافذة المفعول منذ السنة 1991 والتي جاءت حصيلة العقليّة الرومانيّة، جعلت اللجوء المستمر إلى روما في دقائق الأمور للحصول على الموافقة السابقة أو اللاحقة من الدوائر الرومانيّة (الكوريّا). هذه الإجراءات غريبة تمامًا عن التقليد البطريركي الشرقي، فالشرق لم يثقل ضميره البتة بمثل هذه التحديات الدقيقة لصلاحياته البطريركيّة أو حتى الأسقفيّة. كان اللجوء مقتصرًا على الصعوبات الكبرى والأزمات في العلاقات الكنسيّة. ولم يكن مثل هذا اللجوء محصورًا بروما فقط، بل كانوا يلجأون أيضًا إلى الكراسي البطريركيّة أو المتروبوليتيّة الأخرى، بل إلى الكراسي المتنفّذة أحيانًا. وكانوا يتبادلون الرسائل حول المعضلات الناشبة ويتدارسون الحلول الممكنة، وهذا وحده كافٍ ليُظهر لنا تناقض القوانين الجديدة مع التقليد الشرقي.
اعتاد المؤرّخون الغربيّون أن يسجلوا كل لجوء إلى روما برهانًا على تبعيّة الشرق لكنيسة الغرب، ويستنتجون من ذلك أن الشرق لم يكن مستقلاً، وأن أوليّة روما واضحة في التاريخ. ولكن علينا أن نقول الحق، فأوليّة روما، التي هي حق إلهي يستند على كلمة السيّد المسيح للقديس بطرس، لا يمكننا أن نثبتها بالأحداث التاريخيّة، أي بتدخل روما في شؤون الكنائس الأخرى أو بلجوء هذه الأخيرة إليها، والتي بقيت نادرة ومجرّد تدبير على مر التاريخ. والتدبير مبدأ أساسي في الكنسيّات الشرقيّة وفي النظام البطريركي الشرقيّ. صحيح أن الأولية الرومانيّة مبنيّة على كلام الرب ومتأصّلة في ضمائر الأحبار الرومانيين، ولكن الشرق لم يفهمها يومًا أو يقبل بتوسيعها المطّرد كما هي في ذهن روما وممارساتها. يؤكّد باتيفول في كتابه المُحكم "كرسي بطرس" أن "علينا أن نقتنع أن الشرق كان دائمًا مستقلاً، وأراد دائمًا أن يطبّق قوانينه، ويحل مشاكله وحده".
يتأصّل إذًا الاختلاف بين الشرق والغرب في المقارنة بين المفاهيم الكنسيّة المختلفة، وخصوصًا في بداية الألف الأول ونهاية الألف الثاني حيث احتدم الخلاف وتعكّرت العلاقات وأفضت إلى الانشقاق المأساوي. وهذه الاختلافات لا تزال حتى اليوم العقبة الكبرى في طريق الوحدة. شعر الشرق، ولا يزال، أنه مستقل، وليس له أن يتلقّى قوانين جاهزة، ولم يقبل يومًا أن تكون سلطة كنيسته أو حقوقها "إنعامًا" من كنيسة أخرى! أما الغرب فلم يفهم ذلك أبدًا، بل أراد دومًا أن يشرّع للشرق ويحدّ من السلطة البطريركيّة ويمنح الإنعامات. انطلاقًا من هذه العقليّة، اعتبرت روما البطريركيّات الشرقيّة الكاثوليكيّة، مجرّد مستحدثات رومانيّة، وبالتالي لم تعد هذه الكنائس بالنسبة إليها الوارث الحقيقي للبطريركيّات القديمة، وهذا يناقض تطوّر تاريخ البطريركيّات، كما أوضحنا أعلاه. لم تعترف روما قط بوجود السلطة البطريركيّة وتطوّرها، لا بل عاكست دومًا وضعها موضع التنفيذ. هذا هو الفرق الكبير بين الشرق والغرب كما أكّد مرارًا المؤرّخ باتيفول الذي قدّم ثلاث ميزات خاصة ببطريركيات الشرق:
أ‌- أوليّة إيمان الكنيسة الرومانيّة وأهميته.
ب‌- الاستقلاليّة القانونيّة والتشريعيّة للشرق.
ت‌- شعور الشرق بضرورة الشركة مع الكنيسة الرومانيّة.
على هذه الخصائص تبنى العلاقات السلميّة بين الشرق والغرب، وهي تشكّل أساس الموقف الشرقي من الأوليّة الرومانيّة.
استنادًا إلى هذه النقاط، أود أن أؤكد أن النقطة الأهم بالنسبة إلى الشرق هي الشركة. فأن تكون كنيسة ما في "شركة" أو "مقطوعة عن الشركة" أو "عائدة إلى الشركة"...، هذا مفتاح العلاقات بين الكنائس في خلال الألف الأول، خصوصًا في المفهوم الشرقي. فالشرق كان يهتم كثيرًا بالمحافظة على الشركة مع أكبر عدد من الكنائس، وخاصة الكنائس الكبرى وعلى رأسها كنيسة روما. لقد أولى الشرق مفهوم الشركة الأوليّة المطلقة، ومبدأ الشركة هذا هو الذي حمى استقلالية البطريركيات ووحدتها مع روما، وهو أساس وحدة الإيمان أيضًا.
هكذا نستطيع أن نفهم رسالة البابا لاون الأول إلى البطريرك مكسيموس الأنطاكي، حيث يطلب منه أن يحذر من أن ينتصر الهراطقة في الكنائس الشرقيّة، وخاصة تلك الخاضعة للعصا الرعائية التي يحملها البطريرك مكسيموس بحسب مجمع نيقية. من خلال هذه الرسالة نرى حقيقة الشركة بين البطريرك مكسيموس والبابا والكرسي الروماني في الإيمان القويم الواحد. يمكننا أن نحصي، تاريخيًّا، بحسب المؤرخ تاوتو، حوالي 300 حالة لجوء في الألف الأول تندرج في خانة ممارسة الأولية الرومانيّة بالنسبة إلى الشرق. من الواضح أن هذا الرقم ليس كبيرًا بالنسبة إلى الحقبة المذكورة أعلاه، خصوصًا إذا علمنا أنه يتقلّص بسبب الحالات التي تطلّبت أكثر من لجوء. إن دلّ هذا الإحصاء على شيء فهو يدلّ على الأوليّة الرومانيّة، ولكنه في الوقت نفسه يدلّ على مبدإ الاستقلاليّة الواسعة التي كان يتمتّع بها البطريرك في بطريركيّته بحيث إن اللجوء إلى روما وتدخل هذه الأخيرة كانا حالات نادرة، ومعروف أن "الشواذ يثبت القاعدة".
ساعد الدور السياسي في تعميق الهوة بين المفهومين الشرقي والغربي للكنسيات حتى أدى إلى انشقاق 1054. وبعد قرون عديدة أراد المسيحيّون أن يعيدوا الوحدة، وأن يخيطوا ثوب المسيح الواحد والموحد، فكان مجمع فلورنسا من أجل هذا الهدف، وكان حقًا مجمع إعادة الوحدة. وقد قدم الأستاذ أندريه دو هالّو مطالعة رائعة حول هذا المجمع. المشكلة الأساسيّة، التي لم يُعترف بها جهارًا في المجمع، هي الكنسيات المجمعيّة الشرقيّة التي تتعارض مع الكنسيات المركزيّة الرومانيّة. وكان منطلق المجمع: هل من الضروري عقد مجمع اتحاد أم لا؟ كيف يعقد هذا المجمع؟ الجلسات؟... وأدت تطلبات روما بهذا الخصوص إلى إسقاط المجمع. وهذا ما يشير إليه الأستاذ دو هالّو بشكل متواتر في المقال الذي أشرنا إليه. يقول في إحدى هذه الإشارات: "إنّ طلب (روما) الأول بتقبيل-القدم، وإلحاحها على إعطاء البابا مقامًا رئاسيًّا أعلى من مقامات اليونان، وإراداتها بإصدار صك الوحدة باسمها الخاص، ومشروعها بتصحيح ما سمّته بـ‘الأخطاء الليترجيّة‘ بطريقة سلطويّة وبدون أن تناقشها في المجمع، ونيّتها بتسمية خلف لاتيني لبطريرك القسطنطينيّة المتوفى يوسف الثالث، ورفضها رد الاعتبار للكراسي الأسقفيّة الشرقيّة التي أُخضعت للسيادة الرومانيّة، كل ذلك وغيره من التطلبات، التي لم تكن تقبل الرد، برهنت أن البابا إفجانيوس الرابع بعيد عن ترتيب العلاقات الرومانيّة مع الشرق بروح كنيسة تجعل من الكنائس أخوات في شركة.
ويشير الأستاذ دو هالّو إلى نقطة أخرى، يُظهر من خلالها أهميّة الموضوع الكنسي في مجمع فلورنسا، مستندًا إلى عبارة البابا إفجانيوس نفسه التي وجهها إلى اليونان: "حيث أكون أنا والإمبراطور والبطريرك يكون المجمع برمته: جميع المسيحيين والبطاركة والكرادلة"، مُظهرًا من خلال هذا المفهوم المجمعي قلة احترام الشركة بين الكنائس المحليّة، لأن البابا يريد أن يقوم البطاركة الشرقيون بدور حوله وحول القسطنطينيّة يشبه دور مصف الكرادلة حول البابا. وهذا ما رفضه دومًا الشرقيّون، ولا يزالون. وهذا ما ذكّر به البطريرك مكسيموس الرابع الصايغ عندما أراد البابا أن يمنحه شرف الكرديناليّة في العام 1965. ويتابع دو هالّو: "واضح كم كان للكنسيّات دور كبير، فكل ما قدمه البابا لمجمع فلورنسا لم يدلّ على أنه مقتنع بالمفهوم المجمعي الشرقي للكنسيّات. ومواقفه كافة، قبل المجمع وفي أثنائه وبعده تناقض النظريّة الشرقيّة... فالمساواة في التعاطي كانت مجرّد ديبلوماسيّة لا تعترف حقيقة بشركة الكنيسة الشرقيّة. والبرهان الأكبر على ذلك هو عدم المشاركة في الليترجيا في مجمع فلورنسا، هذه المشاركة كانت تحدث دائمًا في المجامع المسكونيّة القديمة... فالشروط الخارجيّة التي تبدو مستوفاة قانونيًّا لم تترافق إذًا بالاعتراف الكنسي المتبادل الذي بدونه يستحيل الرجوع إلى المفهوم المسكوني التقليدي الذي كان سائدًا في الألف الأول. لم تقبل أذهان آباء المجمع فكرة أن اجتماع البابا والبطاركة هو تمثيل حقيقي لجميع الكنائس المحليّة التي تشكّل سوية كأخوات مجمعيّة الكنيسة الجامعة". ويضيف الكاتب تحليلاً عميقًا لمفهوم الكنسيّات بحسب مجمع فلورنسا مستنتجًا أن المجمع الفاتيكاني الأول أراد، في نهاية الأمر، أن يفهم الأوليّة الرومانيّة في خط مجمع فلورنسا والقرون الأولى، خصوصًا بالنسبة إلى المقولة الشهيرة "Salvis Privilegiis" (حفظ الحقوق- أي حقوق البطاركة الشرقيين-).
يؤكّد الأب الأستاذ وليم دو فريس على أهميّة مفهوم البطريركية في الكنسيات الشرقيّة. فعدم فهم هذه الأهميّة، انطلاقًا من استقلاليّة الكنائس المحليّة (الأتوكيفاليا والأتونوميا)، يشرح لنا بطء التقدّم المسكوني. في هذا المجال يستشهد دو فريس بالمجمع الفاتيكاني الثاني: دستور الكنيسة "نور الأمم" (Lumen Gentium)، رقم 23، حيث نجد أهميّة النظام البطريركيّ بالنسبة للكنيسة بأسرها، وليس فقط بالنسبة للشرق. وبهذا المعنى يجب أن نفهم قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في الكنائس الشرقيّة (Orientalium Ecclesiarium)، رقم 9، والقرار في الحركة المسكونيّة (Unitatis Redintegratio)، رقم 16و17، التي يعترف المجمع فيها "أن من حق الكنائس في الشرق أن تحكم نفسها طبقًا لأنظمتها الخاصة بها"، ويضيف: "إن التراث الروحي والليترجي والقانوني واللاهوتي في تعابيره المختلفة هذه هو حقًا بعض تراث الكنيسة الجامعة الرسوليّة الذي لا يتجزّأ". وهكذا فإن المجمع الفاتيكاني قد أدرك كل هذه الحقائق الكنسيّة الخاصة بالشرق المسيحي. ولكن المأساة تكمن في أن ما قرر في مجمع فلورنسا، وما كان سائدًا في الألف الأول، وما وُضع في المجمع الفاتيكاني الثاني بقي حبرًا على ورق، ولم تأخذه الكنيسة الرومانيّة على محمل الجد في التطبيق العملي. هذه هي المشكلة الكبرى التي يترتّب على الحركة المسكونيّة حلها اليوم لكي لا تبقى العبارات: بطريركيّة، كنيسة بطريركيّة، القانون الشرقي، التقليد الشرقي، الكنائس المحليّة، الكنائس الأخوات التي في شركة بعضها مع البعض الآخر... مجرّد كلمات شعريّة أو مبادئ نظريّة أو تعابير بروتوكوليّة أو أدبيّات مسكونيّة، بل تصبح كلمات حيّة في العلاقات بين الكنائس جميعًا التي منها كنيسة روما الأخت والكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة.
أختم هذا القسم باستشهادين، أحدهما لأندريه دو هالّو المذكور آنفًا:
"يمكننا أن نفهم بسهولة التوجه الأرثوذكسي إلى الفكرة أن الأولية الرومانيّة هي أولية شرفيّة ليس إلاّ، بسبب المحاولات البابويّة إجبار الشرق المسيحي على تطبيق الشرع الروماني. والكنائس الشرقيّة المتحدة التي استطاعت روما أن تنتزعها من الأرثوذكسيّة، شاءت أم أبت، تحمل آثار جراح الجنوح الذي يغرّبها جزئيًّا عن أمهاتها الكنائس القديمة".
والآخر لهرفيه لوغران، يقول:
"إن تطور الأولية البابويّة لم يعطِ مجالاً لإظهار العلاقة بين الوحدة والتنوع لا للكاثوليك ولا للأرثوذكس. كما أن الاستقلاليّة الأرثوذكسيّة الشرقيّة من جهة أخرى ليست هي أيضًا جوابًا كافيًا عن هذه الوحدة الكنسية نفسها. لذلك يمكننا أن نعتبر التعبيرين محاولة للجواب عن مسألة واحدة مشتركة، من غير أن ننكر أسس الأتوكيفاليا في تقليد الكنيسة أو نتجاهل الأسس الكتابية والتقليديّة للأوليّة الرومانيّة. وهكذا يمكننا أن نقيم حوارًا عقائديًّا على أساس المساواة حيث يشعر الطرفان أنهما متعاضدان في حل المشكلة المشتركة".
 
القسم الثاني
خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك