دراسات

كنسيات

 

الكنسيات بين الشرق والغرب خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك للمطران لطفي لحّام (البطريرك عغريغوريوس الثالث حاليًا)

 

المجمعيّة الأسقفيّة في الكنائس الشرقيّة

للأب إيلي حدّاد المخلصي

  • تأثير التقليد الشرقي على تنظيم السلطة في المجامع الملكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
  • كنيسة الروم الملكيين والمجمع الفاتيكاني الأول (1850-1947).
  • عشر سنين من التشريعات الحديثة العهد (1949-1958)
  • الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة والمجمع الفاتيكاني الثاني (1959-1965)
  • التشريع الجديد في مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة (القوانين 55-150)
  • حاضر الكنيسة الملكيّة (1991-2003)

تجد هذا الكتاب في جامعة القديس يوسف وفي جميع المكتبات الدينيّة

 

 

الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

المطران لطفي لحّام (البطريرك غريغوريوس الثالث حاليًا)

مقدمة المترجم الأرشمندريت فؤاد الصايغ

مقدمة

المقاربة المختلفة في الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

تكلم لا تكن أخرس!


 الكنسيات بين الشرق والغرب

خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

 
مقدمة المترجم الأرشمندريت فؤاد الصايغ
                                             عودة الى أول الصفحة
لقد قمتُ بترجمة هذا المقال في السنة 1998، ولأسباب عديدة لم يُنشر. والآن، وبعد انتخاب كاتبه، سيادة المطران لطفي لحّام، بطريركًا لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك باسم غريغوريوس الثالث، أعدنا النظر فيه، وها نحن ننشره بعونه تعالى دون تغيير أو تحوير. مع العلم أنه قد نشر أولاً باللغة الألمانية (في تشرين الأول 1993)، ثم تُرجم إلى الإيطاليّة والفرنسيّة والأكرانيّة فنال رواجًا كبيرًا. نتمنّى أن يكون هذا المقال بذار عمل مسكوني مخصب في كنسيتنا، ونصوغ أطيب الأماني لأبينا وبطريركنا غريغوريوس الثالث بأن تتحقق مساعيه الحثيثة الصادقة في سبيل الوحدة المسيحية المنشودة.
قد نتساءل ما مبرر نشر هذا المقال اليوم بعد مرور تسع سنوات على كتابته؟
إن ما يدور اليوم في فلك الكنيسة الأنطاكية من أفكار وأعمال حثيثة لأجل وحدة الكنيسة هو المبرر الوحيد لهذا العمل. فالكنيسة الأنطاكية الملكية الكاثوليكية، على مر التاريخ،مرهفة الحس في هذا المجال، وقد رأت دومًا أن رسالتها في محيطها وظروفها هي الدعوة والعمل من أجل هذه الوحدة المرجوة. "مسيرتنا هذه تنجم عن صلاة يسوع ورغبته، كما يقول صاحب المقال نفسه، ونريد أن نحقق الوحدة كما يريدها هو وبالطرق التي يريدها".
وبما أن هم كنيستنا الأكبر، وهمّ أساقفتنا الشاغل والمقلق هو هذه الرسالة، قام آباء المجمع المقدّس مؤخرًا، وبدافع خاص من المطران الياس الزغبي الذي يمثل مجموعة من آباء الكنيسة الذين سعوا جهدهم في هذا المجال ورحلوا إلى الأحضان السماوية دون أن يروا ثمرة عملهم، فقد قدم هذا الرجل الكبير اعترافًا إيمانيًا مزدوجًا عبّر عنه في كتابه "ألسنا كلنا منشقّين؟" الذي ترجم إلى اللغات العالمية نظرًا لأهميته، وكمّله بوثيقة اعتراف أخرى "متحدون نعم، وحدويون كلا"، وقّعها آباء المجمع باغلبيّة ساحقة، واهتم بها المجمع الأرثوذكسي الأنطاكي، لأنهم يعيشون الهاجس نفسه ويرغبون رغبة المسيح نفسها. هذه الوثيقة درسها المجمع الملكي في السنة 1996، وأصدر إعلانًا يعبّر عن رغبتهم الجامحة في تحقيق رجاء المسيح الكبير ورجاء الكنيسة بأجمعها. يضع هذا الإعلان الأسس الأوليّة للوحدة، ويرى أن كنيستنا، لكونها شرقيّة (أرثوذكسيّة) وفي شركة مع روما (كاثوليكيّة)، فهي تضطلع بدور مميّز في السعي نحو الوحدة.
 أثارت هذه المبادرة ردة فعل محليّة وعالميّة كبيرة، أشعرتنا أننا نحث العالم كله، من خلال تحركنا الأنطاكي، على تحرك كنسي، وأن العالم ينتظر مبادرتنا ولا يزال يريد أن يسمع صوتنا كما سمعه في المجمع الفاتيكاني الثاني، كما أشعرتنا أن مبادرتنا واجب لا مفرّ منه وحق لنا وعلينا وأمر من صميم تقليدنا منذ البطريرك بطرس الثالث الذي حاول أن يقوم بدور المصالح وقت الانشقاق الكبير (1054)، إلى غريغوريوس الثاني الذي عانى كثيرًا من أجل الدفاع عن "حقوق البطاركة الشرقيين"، إلى مكسيموس الرابع بطل المجمع الفاتيكاني الثاني، إلى مكسيموس الخامس الذي كلل شيبته بمبادرة تقارب واتحاد سيخلّدها التاريخ.
 نقرأ في إعلان المجمع أن آباء المجمع المقدّس "يتطلّعون بشوق إلى ذلك اليوم الذي يعود فيه الروم الملكيّون الكاثوليك والروم الأرثوذكس، في بطريركيّة أنطاكية، كنيسة واحدة وبطريركيّة واحدة...و(بالنسبة إلى دور أسقف روما في الكنيسة والمجامع المسكونيّة) يستوحون المفهوم الذي عاشه الشرق والغرب معًا في الألف الأول على ضوء تعاليم المجامع المسكونيّة السبعة...ويعلنون بقاءهم في الشركة الكاملة مع كنيسة روما الرسوليّة، وسعيهم في الوقت عينه إلى التحاور معها لتجديد ما يقتضيه دخولهم في الشركة مع كنيسة أنطاكية الأرثوذكسيّة" (البنود2، 4و5).
 نرى أنّ إعلان المجمع هذا يفتح بابًا كبيرًا للدرس والتمحيص والتمييز والتدقيق حول "ما كان سائدًا في الألف الأول" في علاقات الكنائس، فالموضوع ليس بديهيًّا، وقد برهنت على ذلك كثرة التساؤلات التي طُرحت حول مفهوم الكنسيّات بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر.
 إن المقال المكتوب منذ تسع سنوات، والذي نقدّمه اليوم بالعربيّة، يدلّل على أن التساؤلات التي نجمت عن الإعلان المجمعي في السنة 1996 ليست بجديدة ولا يجهلها أو يتجاهلها آباء المجمع، بل هم يعالجونها منذ زمان طويل، عارفين انها مهمة صعبة، وعالمين أن المهمات الصعبة لن تثني ذوي العزم عن إرادتهم الصلبة.
 لقد آن أوان العمل العلمي والجدي، اللاهوتي والتاريخي والمسكوني، لتوضع النقاط على الحروف. فالشوق إلى الوحدة ومحبتها لا يكفيان، والعمل من أجلها واتخاذ المواقف الواضحة والمبنيّة "واجب وحق لنا وعلينا"، لذلك يجب أن نكثّف جهودنا ونحرّك العالم بأسره للسعي إليها. "سنتابع المسيرة باسمنا وباسم شعبنا" التوّاق إلى هذه الوحدة، وسنتابع العمل لأجل تحقيق مبادرتنا مع كل الجهّات الساعية إلى الوحدة والتي نريد أن نحسسها بهذا الواجب المقدس، ونطلب مساعدتها في هذا الأمر. هذه الجهات هي:
- روما التي نحن في شركة معها كاملة، ونريد المحافظة على كمال هذه الشركة... ونقترح أن نقيم لجنة من مجمعنا المقدّس تتابع الحوار مع روما بهذا الشأن،
- وإخوتنا الأرثوذكس هنا وفي العالم،
- واللاهوتيون المستشرقون... وإخوتنا الكاثوليك الشرقيّون... وإخوتنا البيزنطيّون الكاثوليك في العالم...".
 وكلنا أمل بأن تكون الألفيّة الثالثة مرحلة مهمة في مسيرتنا وفي تحقيق هدف مبادرتنا.
 هذا المقال لأسقف. والأسقف يحمل الوحدة في حياته وخدمته وموهبته الأسقفيّة من خلال الشموع المثلّثة والمثناة التي يبارك فيها الشعب والتي ترمز إلى الثالوث الواحد في الجوهر وإلى طبيعتي المسيح المتّحدتين في شخص واحد، يبارك ويصلّي لأجل الكنيسة-الكرمة الحقيقيّة التي غرسها المسيح، ويبارك ويجمع أغصان هذه الكرمة لتأتي بثمار مواهب الروح القدس المعبّر عنها بلهب هذه الشموع. أما وقد أصبح هذا الأسقف بطريركًا، فإنّ هذه الأفكار تأخذ بعدًا أكبر وأعمق، وتجد موقعها في رأس الكنيسة الملكيّة "الساهر".
 لأجل ذلك كلّه أردنا أن نضع هذا المقال اليوم بلغّة الضاد وبصيغته السابقة، آملين أن يكون قاعدة عمل مسكوني مستقبلي مخصب وزاهر في عهد بطريركيّة صاحبه، ومساهمة في دفع مسيرة الوحدة المسيحيّة إلى الأمام.
       
 
مقدمة
                                            عودة الى أول الصفحة
 من المفيد جدًّا أن نطرح على بساط البحث أهميّة الكنسيّات في حياة الكنيسة، لأننا نعيش في الكنيسة، وعلاقاتنا المتبادلة تتم فيها، ولأن مفهوم الكنيسة تميّز بأهميّة خاصة في تاريخ الكنائس المتعددة عمومًا، وفي علاقات الكنائس الحديثة خاصة.
 أسس السيد المسيح نفسُه جماعة وسمّاها الكنيسة، وهي مبنيّة على إيمان بطرس والرسل الذين يشكلون معًا "الجماعة الرسوليّة". فوجهُ الكنيسة الأولى يرتسم في القدس، ولكن منذ البدء وُلدت كنائس محليّة، فشاول أتى إلى دمشق ليضطهد الكنيسة التي نشأت فيها، وفي أنطاكي’ دُعي المؤمنون مسيحيين لأول مرة، وكلتا الكنيستين كانتا وليدَتي كنيسة أورشليم، ثم كانت كنيسة روما، ومن بعدها رأت النور كنائس أوروبا الأولى!
 توجّه القديس يوحنا الرسول، في "رؤياه"، إلى أساقفة الكنائس المحليّة بلقب جميل مسميًا كل واحد منهم "ملاك الكنيسة" (التي في أفسس...) (رؤيا2، 1...). وأسس الرسل كنائس محليّة عديدة، حتى إنّ سفر أعمال الرسل يخبرنا عن أول مجمع عقدته هذه الكنائس في أورشليم (أعمال الرسل 15، 5-35).
 إن دلّ ذلك كله على شيء، فهو يدلّ على أهميّة الكنسيّات في موضوع الحركة المسكونيّة التي تجد نفسها اليوم في طريق مسدود، ولا يمكنها الخروج منه إلا إذ بنت عملها على كنسيّات واضحة. فدراسة الكنسيات بين الشرق والغرب تساعد كثيرًا في حلّ المعضلات المسكونيّة المستجدّة. وها نحن نقدم في هذه الدراسة وجهة النظر الشرقيّة وخبرة الكنيسة الملكيّة في هذا المجال.
 ستشمل دراستنا ثلاثة أقسام:
1- المقاربة بين المفهوم الشرقي والغربي للكنسيّات.
2- خبرة الكنيسة الملكيّة في الكنسيّات.
3- مساهمة الكنيسة الملكيّة في الكنسيّات.
وسيكون كلامنا بنوع خاص على الكنيسة البيزنطيّة.

القسم الأول
المقاربة المختلفة في الكنسيّات بين الشرق والغرب
                                                     عودة الى أول الصفحة
نشأت الكنيسة الأولى في القدس، وسميت أم الكنائس كافة، كما حلا للقديس يوحنا الدمشقي أن يترنّم بها في أناشيد القيامة التي وضعها في مؤلفه "الأكتوئيخس" إذ يقول: "إفرحي يا صهيون المقدّسة، أم الكنائس، مسكن الله، لأنك أول من قبل غفران الخطايا بالقيامة".
 التأمت المجامع المحليّة أولاً في الشرق، وقد دعا إليها الأساقفة بموجب قاعدة محليّة. ولم نعرف ما سُمي بالمجامع العامة والمسكونيّة إلا لاحقًا. كذلك تطوّر مفهوم الكنيسة المحليّة بسرعة في الشرق، ولاحقًا أخذت بعض الكنائس دورًا مركزيًّا فوُلدت البطريركيّات في القرن الرابع لتمثّل مركزيّة السلطة المحليّة لكونها تتمتّع بأهميّة أكبر بالنسبة إلى الكنائس الأخرى حولها، ولكن دون أن تنتقص من سلطة أسقف الكنيسة المحليّة. ولدت البطريركيّات إثر قرارات مجمعيّة: نيقية (325) والقسطنطينيّة (381) وخلقيدونية (451)، وكانت هذه القرارات أساس المقاربة الكنسية التي اختلفت بين الشرق والغرب. فالشرق توجه بوضوح نحو الكنيسة المحليّة، بينما رأت روما بإلحاح أن لها الدور الأول في قيادة الكنيسة، وهذا ما نلمسه في تاريخ المجامع العامة، وخاصة السبعة المسكونيّة الأولى منها التي عُقدت كلها في الشرق. وما النظام البطريركي إلا تأكيد لهذا الفرق بين الشرق والغرب الذي بقي عالقًا دون حل حتى الآن. ظهر إذًا هذا الاختلاف بالرؤيا في المجامع الأولى التي أقرّت البطريركيّات الشرقيّة: القسطنطينيّة والإسكندريّة وأنطاكيا وأورشليم، وظهرت معه رؤيتان متفارقتان: تطلّبات روما وموقف الشرق الحذر الذي رفض ممارسة أوليّة الكرسي البطريركي الروماني على الكراسي البطريركيّة الشرقيّة.
تعود جذور الخلاف في المفهوم الكنسي بين الشرق والغرب والمشادة المستمرّة بينهما إلى الألف الأول. فروما تريد أن تكون الكنيسة البطرسيّة الأولى، والقسطنطينيّة تعتبر نفسها روما الجديدة وتصرّ على امتيازاتها وأوليّتها الخاصة، بينما تعتبر روما هذه الأوليّات حصيلة السلطة المدنيّة. هذا ما نجده في المجادلة الكبرى حول موضوع القانون 28 من مجمع خلقيدونية والذي عبّر عنه بحيويّة كبرى البابا لاون الأول الكبير. ولكن من الصعب حسم الموضوع، فقد استفادت روما والقسطنطينيّة سوية من السلطة المدنيّة، ولم تستطع الكنيسة يومًا أن تتخلّص من تأثير هذه السلطة.
بقيت هذه المشادة دومًا حيّة بين الأحبار الرومانيين، من جهة، الذين كانوا يؤكّدون سلطتهم بتطلّباتهم وتدخلاتهم حيث يستطيعون، والشرقيين، من جهة أخرى، الذين كانوا يقاومون التطلّبات والاعتدادات الرومانيّة. ولا تزال هذه المشادة المرض العصبي بين الكنيستين. والمسألة الكبرى التي تطرح نفسها اليوم هي كيف يمكننا أن نردم هذه الهوّة بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للكنسيّات؟ عبثًا نعتقد أن المشكلة المسكونيّة مبنيّة على العقائد الكنسيّة لأن جوهر هذه العقائد موجود في قانون الإيمان المشترك الذي تعترف به الكنيستان. العقبة الكبرى في الحركة المسكونيّة هي الكنسيّات، أي العلاقات بين الكنائس.
عندما نتكلّم على المفهوم الشرقي للكنسيّات يجب أن نؤكّد على أهميّة "الاستقلاليّة" (الأتونوميا والأوتوكيفاليا) المبنيّة على السلطة البطريركيّة التي يتمتّع بها البطريرك في الشرق، كما يتمتّع بها كل أسقف في أبرشيّته، والتي كانت استقلاليّة واسعة تمتد إلى جميع قطاعات الحياة الكنسيّة. فالبطريرك كان يقوم بكل المهام في بطريركيّته، كان الأب والرئيس لأمته (لملته)، ولم يكن يشعر بضرورة العودة إلى روما أو إلى أي بطريرك آخر يتمتّع بسلطة أعلى منه.
في كنيسة الشرق، كان اللجوء إلى روما حالة نادرة وشاذة عن القاعدة. أما اليوم فإن قوانين الكنائس الشرقيّة الجديدة، النافذة المفعول منذ السنة 1991 والتي جاءت حصيلة العقليّة الرومانيّة، جعلت اللجوء المستمر إلى روما في دقائق الأمور للحصول على الموافقة السابقة أو اللاحقة من الدوائر الرومانيّة (الكوريّا). هذه الإجراءات غريبة تمامًا عن التقليد البطريركي الشرقي، فالشرق لم يثقل ضميره البتة بمثل هذه التحديات الدقيقة لصلاحياته البطريركيّة أو حتى الأسقفيّة. كان اللجوء مقتصرًا على الصعوبات الكبرى والأزمات في العلاقات الكنسيّة. ولم يكن مثل هذا اللجوء محصورًا بروما فقط، بل كانوا يلجأون أيضًا إلى الكراسي البطريركيّة أو المتروبوليتيّة الأخرى، بل إلى الكراسي المتنفّذة أحيانًا. وكانوا يتبادلون الرسائل حول المعضلات الناشبة ويتدارسون الحلول الممكنة، وهذا وحده كافٍ ليُظهر لنا تناقض القوانين الجديدة مع التقليد الشرقي.
اعتاد المؤرّخون الغربيّون أن يسجلوا كل لجوء إلى روما برهانًا على تبعيّة الشرق لكنيسة الغرب، ويستنتجون من ذلك أن الشرق لم يكن مستقلاً، وأن أوليّة روما واضحة في التاريخ. ولكن علينا أن نقول الحق، فأوليّة روما، التي هي حق إلهي يستند على كلمة السيّد المسيح للقديس بطرس، لا يمكننا أن نثبتها بالأحداث التاريخيّة، أي بتدخل روما في شؤون الكنائس الأخرى أو بلجوء هذه الأخيرة إليها، والتي بقيت نادرة ومجرّد تدبير على مر التاريخ. والتدبير مبدأ أساسي في الكنسيّات الشرقيّة وفي النظام البطريركي الشرقيّ. صحيح أن الأولية الرومانيّة مبنيّة على كلام الرب ومتأصّلة في ضمائر الأحبار الرومانيين، ولكن الشرق لم يفهمها يومًا أو يقبل بتوسيعها المطّرد كما هي في ذهن روما وممارساتها. يؤكّد باتيفول في كتابه المُحكم "كرسي بطرس" أن "علينا أن نقتنع أن الشرق كان دائمًا مستقلاً، وأراد دائمًا أن يطبّق قوانينه، ويحل مشاكله وحده".
يتأصّل إذًا الاختلاف بين الشرق والغرب في المقارنة بين المفاهيم الكنسيّة المختلفة، وخصوصًا في بداية الألف الأول ونهاية الألف الثاني حيث احتدم الخلاف وتعكّرت العلاقات وأفضت إلى الانشقاق المأساوي. وهذه الاختلافات لا تزال حتى اليوم العقبة الكبرى في طريق الوحدة. شعر الشرق، ولا يزال، أنه مستقل، وليس له أن يتلقّى قوانين جاهزة، ولم يقبل يومًا أن تكون سلطة كنيسته أو حقوقها "إنعامًا" من كنيسة أخرى! أما الغرب فلم يفهم ذلك أبدًا، بل أراد دومًا أن يشرّع للشرق ويحدّ من السلطة البطريركيّة ويمنح الإنعامات. انطلاقًا من هذه العقليّة، اعتبرت روما البطريركيّات الشرقيّة الكاثوليكيّة، مجرّد مستحدثات رومانيّة، وبالتالي لم تعد هذه الكنائس بالنسبة إليها الوارث الحقيقي للبطريركيّات القديمة، وهذا يناقض تطوّر تاريخ البطريركيّات، كما أوضحنا أعلاه. لم تعترف روما قط بوجود السلطة البطريركيّة وتطوّرها، لا بل عاكست دومًا وضعها موضع التنفيذ. هذا هو الفرق الكبير بين الشرق والغرب كما أكّد مرارًا المؤرّخ باتيفول الذي قدّم ثلاث ميزات خاصة ببطريركيات الشرق:
أ‌- أوليّة إيمان الكنيسة الرومانيّة وأهميته.
ب‌- الاستقلاليّة القانونيّة والتشريعيّة للشرق.
ت‌- شعور الشرق بضرورة الشركة مع الكنيسة الرومانيّة.
على هذه الخصائص تبنى العلاقات السلميّة بين الشرق والغرب، وهي تشكّل أساس الموقف الشرقي من الأوليّة الرومانيّة.
استنادًا إلى هذه النقاط، أود أن أؤكد أن النقطة الأهم بالنسبة إلى الشرق هي الشركة. فأن تكون كنيسة ما في "شركة" أو "مقطوعة عن الشركة" أو "عائدة إلى الشركة"...، هذا مفتاح العلاقات بين الكنائس في خلال الألف الأول، خصوصًا في المفهوم الشرقي. فالشرق كان يهتم كثيرًا بالمحافظة على الشركة مع أكبر عدد من الكنائس، وخاصة الكنائس الكبرى وعلى رأسها كنيسة روما. لقد أولى الشرق مفهوم الشركة الأوليّة المطلقة، ومبدأ الشركة هذا هو الذي حمى استقلالية البطريركيات ووحدتها مع روما، وهو أساس وحدة الإيمان أيضًا.
هكذا نستطيع أن نفهم رسالة البابا لاون الأول إلى البطريرك مكسيموس الأنطاكي، حيث يطلب منه أن يحذر من أن ينتصر الهراطقة في الكنائس الشرقيّة، وخاصة تلك الخاضعة للعصا الرعائية التي يحملها البطريرك مكسيموس بحسب مجمع نيقية. من خلال هذه الرسالة نرى حقيقة الشركة بين البطريرك مكسيموس والبابا والكرسي الروماني في الإيمان القويم الواحد. يمكننا أن نحصي، تاريخيًّا، بحسب المؤرخ تاوتو، حوالي 300 حالة لجوء في الألف الأول تندرج في خانة ممارسة الأولية الرومانيّة بالنسبة إلى الشرق. من الواضح أن هذا الرقم ليس كبيرًا بالنسبة إلى الحقبة المذكورة أعلاه، خصوصًا إذا علمنا أنه يتقلّص بسبب الحالات التي تطلّبت أكثر من لجوء. إن دلّ هذا الإحصاء على شيء فهو يدلّ على الأوليّة الرومانيّة، ولكنه في الوقت نفسه يدلّ على مبدإ الاستقلاليّة الواسعة التي كان يتمتّع بها البطريرك في بطريركيّته بحيث إن اللجوء إلى روما وتدخل هذه الأخيرة كانا حالات نادرة، ومعروف أن "الشواذ يثبت القاعدة".
ساعد الدور السياسي في تعميق الهوة بين المفهومين الشرقي والغربي للكنسيات حتى أدى إلى انشقاق 1054. وبعد قرون عديدة أراد المسيحيّون أن يعيدوا الوحدة، وأن يخيطوا ثوب المسيح الواحد والموحد، فكان مجمع فلورنسا من أجل هذا الهدف، وكان حقًا مجمع إعادة الوحدة. وقد قدم الأستاذ أندريه دو هالّو مطالعة رائعة حول هذا المجمع. المشكلة الأساسيّة، التي لم يُعترف بها جهارًا في المجمع، هي الكنسيات المجمعيّة الشرقيّة التي تتعارض مع الكنسيات المركزيّة الرومانيّة. وكان منطلق المجمع: هل من الضروري عقد مجمع اتحاد أم لا؟ كيف يعقد هذا المجمع؟ الجلسات؟... وأدت تطلبات روما بهذا الخصوص إلى إسقاط المجمع. وهذا ما يشير إليه الأستاذ دو هالّو بشكل متواتر في المقال الذي أشرنا إليه. يقول في إحدى هذه الإشارات: "إنّ طلب (روما) الأول بتقبيل-القدم، وإلحاحها على إعطاء البابا مقامًا رئاسيًّا أعلى من مقامات اليونان، وإراداتها بإصدار صك الوحدة باسمها الخاص، ومشروعها بتصحيح ما سمّته بـ‘الأخطاء الليترجيّة‘ بطريقة سلطويّة وبدون أن تناقشها في المجمع، ونيّتها بتسمية خلف لاتيني لبطريرك القسطنطينيّة المتوفى يوسف الثالث، ورفضها رد الاعتبار للكراسي الأسقفيّة الشرقيّة التي أُخضعت للسيادة الرومانيّة، كل ذلك وغيره من التطلبات، التي لم تكن تقبل الرد، برهنت أن البابا إفجانيوس الرابع بعيد عن ترتيب العلاقات الرومانيّة مع الشرق بروح كنيسة تجعل من الكنائس أخوات في شركة.
ويشير الأستاذ دو هالّو إلى نقطة أخرى، يُظهر من خلالها أهميّة الموضوع الكنسي في مجمع فلورنسا، مستندًا إلى عبارة البابا إفجانيوس نفسه التي وجهها إلى اليونان: "حيث أكون أنا والإمبراطور والبطريرك يكون المجمع برمته: جميع المسيحيين والبطاركة والكرادلة"، مُظهرًا من خلال هذا المفهوم المجمعي قلة احترام الشركة بين الكنائس المحليّة، لأن البابا يريد أن يقوم البطاركة الشرقيون بدور حوله وحول القسطنطينيّة يشبه دور مصف الكرادلة حول البابا. وهذا ما رفضه دومًا الشرقيّون، ولا يزالون. وهذا ما ذكّر به البطريرك مكسيموس الرابع الصايغ عندما أراد البابا أن يمنحه شرف الكرديناليّة في العام 1965. ويتابع دو هالّو: "واضح كم كان للكنسيّات دور كبير، فكل ما قدمه البابا لمجمع فلورنسا لم يدلّ على أنه مقتنع بالمفهوم المجمعي الشرقي للكنسيّات. ومواقفه كافة، قبل المجمع وفي أثنائه وبعده تناقض النظريّة الشرقيّة... فالمساواة في التعاطي كانت مجرّد ديبلوماسيّة لا تعترف حقيقة بشركة الكنيسة الشرقيّة. والبرهان الأكبر على ذلك هو عدم المشاركة في الليترجيا في مجمع فلورنسا، هذه المشاركة كانت تحدث دائمًا في المجامع المسكونيّة القديمة... فالشروط الخارجيّة التي تبدو مستوفاة قانونيًّا لم تترافق إذًا بالاعتراف الكنسي المتبادل الذي بدونه يستحيل الرجوع إلى المفهوم المسكوني التقليدي الذي كان سائدًا في الألف الأول. لم تقبل أذهان آباء المجمع فكرة أن اجتماع البابا والبطاركة هو تمثيل حقيقي لجميع الكنائس المحليّة التي تشكّل سوية كأخوات مجمعيّة الكنيسة الجامعة". ويضيف الكاتب تحليلاً عميقًا لمفهوم الكنسيّات بحسب مجمع فلورنسا مستنتجًا أن المجمع الفاتيكاني الأول أراد، في نهاية الأمر، أن يفهم الأوليّة الرومانيّة في خط مجمع فلورنسا والقرون الأولى، خصوصًا بالنسبة إلى المقولة الشهيرة "Salvis Privilegiis" (حفظ الحقوق- أي حقوق البطاركة الشرقيين-).
يؤكّد الأب الأستاذ وليم دو فريس على أهميّة مفهوم البطريركية في الكنسيات الشرقيّة. فعدم فهم هذه الأهميّة، انطلاقًا من استقلاليّة الكنائس المحليّة (الأتوكيفاليا والأتونوميا)، يشرح لنا بطء التقدّم المسكوني. في هذا المجال يستشهد دو فريس بالمجمع الفاتيكاني الثاني: دستور الكنيسة "نور الأمم" (Lumen Gentium)، رقم 23، حيث نجد أهميّة النظام البطريركيّ بالنسبة للكنيسة بأسرها، وليس فقط بالنسبة للشرق. وبهذا المعنى يجب أن نفهم قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في الكنائس الشرقيّة (Orientalium Ecclesiarium)، رقم 9، والقرار في الحركة المسكونيّة (Unitatis Redintegratio)، رقم 16و17، التي يعترف المجمع فيها "أن من حق الكنائس في الشرق أن تحكم نفسها طبقًا لأنظمتها الخاصة بها"، ويضيف: "إن التراث الروحي والليترجي والقانوني واللاهوتي في تعابيره المختلفة هذه هو حقًا بعض تراث الكنيسة الجامعة الرسوليّة الذي لا يتجزّأ". وهكذا فإن المجمع الفاتيكاني قد أدرك كل هذه الحقائق الكنسيّة الخاصة بالشرق المسيحي. ولكن المأساة تكمن في أن ما قرر في مجمع فلورنسا، وما كان سائدًا في الألف الأول، وما وُضع في المجمع الفاتيكاني الثاني بقي حبرًا على ورق، ولم تأخذه الكنيسة الرومانيّة على محمل الجد في التطبيق العملي. هذه هي المشكلة الكبرى التي يترتّب على الحركة المسكونيّة حلها اليوم لكي لا تبقى العبارات: بطريركيّة، كنيسة بطريركيّة، القانون الشرقي، التقليد الشرقي، الكنائس المحليّة، الكنائس الأخوات التي في شركة بعضها مع البعض الآخر... مجرّد كلمات شعريّة أو مبادئ نظريّة أو تعابير بروتوكوليّة أو أدبيّات مسكونيّة، بل تصبح كلمات حيّة في العلاقات بين الكنائس جميعًا التي منها كنيسة روما الأخت والكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة.
أختم هذا القسم باستشهادين، أحدهما لأندريه دو هالّو المذكور آنفًا:
"يمكننا أن نفهم بسهولة التوجه الأرثوذكسي إلى الفكرة أن الأولية الرومانيّة هي أولية شرفيّة ليس إلاّ، بسبب المحاولات البابويّة إجبار الشرق المسيحي على تطبيق الشرع الروماني. والكنائس الشرقيّة المتحدة التي استطاعت روما أن تنتزعها من الأرثوذكسيّة، شاءت أم أبت، تحمل آثار جراح الجنوح الذي يغرّبها جزئيًّا عن أمهاتها الكنائس القديمة".
والآخر لهرفيه لوغران، يقول:
"إن تطور الأولية البابويّة لم يعطِ مجالاً لإظهار العلاقة بين الوحدة والتنوع لا للكاثوليك ولا للأرثوذكس. كما أن الاستقلاليّة الأرثوذكسيّة الشرقيّة من جهة أخرى ليست هي أيضًا جوابًا كافيًا عن هذه الوحدة الكنسية نفسها. لذلك يمكننا أن نعتبر التعبيرين محاولة للجواب عن مسألة واحدة مشتركة، من غير أن ننكر أسس الأتوكيفاليا في تقليد الكنيسة أو نتجاهل الأسس الكتابية والتقليديّة للأوليّة الرومانيّة. وهكذا يمكننا أن نقيم حوارًا عقائديًّا على أساس المساواة حيث يشعر الطرفان أنهما متعاضدان في حل المشكلة المشتركة".
 
القسم الثاني
خبرة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك
                                                عودة الى أول الصفحة
إن لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك خبرة خاصة بها في مجال الكنسيات. فهي من جهة في شركة رسمية وكاملة مع كنيسة متشبّثة بغيرة كبيرة بتراثها الشرقي المشترك مع الكنيسة الأرثوذكسيّة لمدة 1700 سنة. وتعيش الكنيسة الملكيّة منذ ثلاثة قرون فقط خبرة الأرثوذكسية من منظار كاثوليكي، بل بالأحرى من منظار لاتيني. إنها بمجملها كنيسة أورثوذكسيّة، وهي تعيش بالإضافة إلى ذلك في محيط عربي إسلامي، فهي كما يسميها الأب جان كوربون "كنيسة العرب". فنحن كنيسة العرب وكنيسة من أجل الإسلام، وفي بلاد الإسلام، نحن كنيسة الإسلام. هذا كلّه ضروري جدًا لنفهم قيمة الخبرة الكنسيّة الكاملة لهذه الكنيسة.
خبرة هذه الكنيسة الأرثوذكسيّة الشرقيّة والمتحدة مع روما موسومة بـ" الإبهام" والضبابيّة. ففي أوساط القرن السابع عشر، كان الوضع معقّدًا، إذ كانت الكنيسة الأرثوذكسيّة مرتبطة بالقسطنطينيّة، وكانت المرجعيّة الكنسيّة القسطنطينيّة تتمتّع بأهميّة بالغة، بينما كانت الكنيسة الأنطاكيّة دومًا منفتحة على روما من خلال حوار واتصالات مستمرّة، ما جعلها تعيش شيئًا فشئًا حالة انجذاب مزدوج بين روما والقسطنطينيّة، وقد تطور هذا الوضع في خلال قرن (من منتصف القرن السابع عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر)، فمن جهة أرادت أن تحفظ الشركة مع الكنيسة الأرثوذكسيّة، ومن جهة أخرى كانت رغبتها بالاتحاد مع روما تنمو وتزداد بسبب المرسلين اللاتين والقنصليّات، وإرادتها بأن يكون لها دعم قوي. وهكذا ارتسم شيئًا فشيئًا تيار كاثوليكي رسمي وتوضّحت الحدود الفاصلة بين الكاثوليك والأورثوذكس إذ لم ينجح مبدأ الازدواجيّة. ولما أردنا أن نكمل المشوار في شركتنا مع روما، حدث اتحاد وانشقاق في آن معًا، فقد انتخب كيرلّس السادس طاناس بطريركًا على أنطاكية وكان ميّالاً جدًا للاتحاد بروما دون أن ينكر أصله الأرثوذكسي الشرقي، وكانت ردة الفعل في حلب سلبيّة، فبدلاً من الشركة الكاملة مع روما حدث انشقاق في كنيسة أنطاكيا هذه، إذ انقاد قسمًا منها إلى الشركة النهائيّة مع روما، واختار القسم الآخر مقاطعة روما واتباع الأرثوذكسيّة القسطنطينيّة. وقد أرادت هذه الكنيسة الأرثوذكسيّة الأصل والمتحدة مع روما أن تبقى مخلصة تمامًا لهويّتها الشرقيّة وقوانينها الصادرة عن المجامع الشرقيّة والتي أكّدها بوضوح مجمع فلورنسا بعبارته الشهيرة: "مع حفظ حقوق البطاركة الشرقيين".
 لا تعتبر الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة الأرثوذكسيّة حقوقها وامتيازاتها إنعامًا من روما، بل قرارات صادرة عن المجامع المسكونيّة. وقد أولتها روما مبدئيًّا، من خلال الوثائق البابويّة الرسميّة، جلّ قدرها وحفظتها. نشير هنا بنوع خاص إلى رسالة البابا لاون الثالث عشر "كرامة الشرقيين" (1894)، التي حررها لصالح الشرقيين وحقوقهم وامتيازاتهم. ونشير أيضًا إلى أن الدوائر الرومانيّة، أو بعضًا منها، تتصرّف بخلاف روح هذه الرسالة وروح قرارات المجامع وعموم الوثائق البابويّة. زد على ذلك أن روما قد اتبعت، في جميع وسائلها، سياسة اللتننة (Latinisation) من خلال مرسليها، بدءًا من تأسيس البطريركيّة اللاتينيّة في القدس في السنة 1848، ووجود الأساقفة اللاتين في جميع بلدان الشرق الأوسط، وما انفكّ المرسلون اللاتين يجتذبون الأرثوذكسيّين والملكيين الكاثوليك فرادى وجماعات إلى كنيستهم اللاتينيّة. وما وجود اللاتين في الشرق الأوسط، وكلهم من أصل مسيحيّ شرقيّ، إلا حصيلة سياسة اللتننة هذه. إن الكنيسة الملكيّة تشعر بمرارة هذه اللتننة أكثر من أي كنيسة كاثوليكيّة أخرى لأنها متعلّقة كثيرًا بحقوقها وامتيازاتها، وتغار على حفظ هذه الحقوق واحترامها، وهذا ما اتسم به تاريخ كنيسة الملكيين منذ اتحادها بروما في السنة 1724.
 هذه بعض الأمثلة حول هذه الخبرة المرّة:

• إن أول بطريرك للكنيسة الملكيّة، وهو كيرلس السادس طاناس، وقد انتخب بطريركًا على كرسي أنطاكية في السنة 1724، لم تعترف به روما إلا بعد خمس سنوات من انتخابه، أي في 15 من آذار 1729، وهذا أول المطاف في مسيرة الاحتقار.

• أراد المطران جرمانس آدم، متروبوليت حلب (1806)، أن يحمي استقلاليّة الكنيسة الشرقيّة دون أن يضر بالاتحاد الكامل مع روما، خصوصًا في المرحلة الثانية من حياته، فحرمته روما.

• من المعروف أن البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم (1855) عانى المتاعب الكثيرة وكان في نزاع مستمر مع روما بسبب إرادته الصلبة في صون هوية الكنيسة الملكية واستقلاليّتها مع الحفاظ على الشركة مع روما.

• حرمت روما مجمع قرقفة الملكي الذي عقد برئاسة البطريرك مظلوم في السنة 1809 لأنه أراد أن يظهر بوضوح طابعها الشرقي.

• مثّل البطريرك غريغوريوس الثاني يوسف سيور (1897) الكنسيّات الشرقيّة في المجمع الفاتيكاني الأول في خطابيه، الأول في 19 من أيار والثاني في 14 من حزيران 1870، حيث شدد على أهميّة الاعتراف بقرارات مجمع فلورنسا القصوى، وعلى ألا يستحدث أي جديد على الاتفاق الذي تمّ بين اليونان واللاتين في ذلك المجمع، خصوصًا بالنسبة للأوليّة البابويّة وحقوق البطاركة الشرقيين وامتيازاتهم كما نجدها في القوانين العريقة وكما قررتها المجامع المسكونيّة التي ضمّت الشرق والغرب. لقد أكّد البطريرك غريغوريوس الثاني وأساقفته مع وجهاء الكنيسة الملكيّة على أن الكنسيّات الشرقيّة والحقوق والامتيازات البطريركيّة لا تناقض قطعًا الكنسيّات الكاثوليكيّة الصحيحة بما فيها أوليّة بابا روما، وقد عاد إلى بلاده رافضًا توقيع قرار المجمع بهذا الشأن لأنه لم يراع نظرته الكنسيّة، ولكنه أُجبر في ما بعد على توقيعه فوقّعه مضيفًا عليه عبارة مجمع فلورنسا الشهيرة: "مع حفظ حقوق البطاركة الشرقيين".

• البطريرك مكسيموس الرابع الصايغ (1967)، بطل المجمع الفاتيكاني الثاني، كان هو وأساقفته خير من قدم الكنسيات بطريقة فريدة "شرقية وأورثوذكسيّة وكاثوليكيّة" في آن معًا. كان هاجس هذا البطريرك العظيم الغائب الكبير، أي إخوته الأرثوذكسيّون، وهذا ما قاله للبطريرك أثيناغوراس الأول: "أردنا دومًا أن نكون صوت الغائب الكبير في المجمع الفاتيكاني الثاني.. ففي كل مرة أتكلم، كنت أفكّر بغبطتكم". وقد أردف البطريرك أثيناغوراس حينئذ قائلاً: "لقد كنتم صوتنا في المجمع الفاتيكاني الثاني". كان وجود الكنيسة الملكيّة في المجمع علامة ومرجعًا مستمرين لهذا الغائب. ولا يخفى على أحد تأثير البطريرك مكسيموس الرابع والأساقفة الملكيين على هذا المجمع خصوصًا في موضوع الكنسيات، إذ بفضله استُحدث "مجلس الأساقفة" و "مجمع الأساقفة مع البابا"، وبفضله سمعنا من روما وسواها عبارات "الكنيسة المحليّة"، و"الكنيسة الأخت" و"التنوّع" حتى في اللاهوت و"لا مركزية الدوائر الرومانية" و"صيغة التراتبية (الإييرارخية) والمجمعية"... هذا التأثير الذي نشتمّه في كثير من الوثائق المجمعيّة، خصوصًا وثيقتي الكنائس الشرقية والحركة المسكونيّة. لقد استطاعت الكنيسة الملكية أن ترسي قواعد الكنسيات التي ستحدد في المستقبل مسار الحركة المسكونيّة.

• انتهج البطريرك مكسيموس الخامس حكيم (بطريرك منذ سنة 1967) نهج سابقه نفسه فأكد على معنى الشركة في رسالته بعد انتخابه بطريركًا وطلب الشركة الكنسية كما كان مرعيًا في التقليد في الألف الأول من تاريخ الكنيسة إذ كان البطاركة يتبادلون رسائل الشركة، خصوصًا مع روما. وجاء جواب البابا بولس السادس العظيم متماشيًا تمامًا مع خط التقليد الشرقي القديم. كما أرسل البابا نفسه رسالة مماثلة لبطريرك السريان الكاثوليك إغناطيوس الحايك المنتخب جديدًا في السنة 1968، حيث يقول فيها: "إننا نقبل بكل حبور طلبكم الشركة الكنسية...". ولكن بكل أسف بقي ذلك كله مجرد كلام. فالشركة مع روما بقيت تعني بالنسبة للعقلية الرومانية الخضوع، وقد هضمت روما دائمًا حقوق البطاركة الملكيين (وسائر البطاركة الشرقيين) وامتيازاتهم وسلطتهم لأنها تعتبر أن هذه البطريركيات هي من صنع يديها. وهناك عدة أمور لا تزال عالقة مع روما في عهد البطريرك مكسيموس الخامس، نذكر منها:
-في انتخاب الأساقفة، تفرض روما على المجمع البطريركي أن يقدم لها لائحة بأسماء "القابلين للأساقفية"، لكي توافق عليها مسبّقًا. وهذا يحد من حق المجمع البطريركي في انتخاب أساقفته الذي هو من مهامه الخاصة وليس من مهام روما.
-إن سلطة البطريرك في بلاد الاغتراب محدودة جدًّا، وهذا هو موضوع الساعة حاليًّا.
-مسألة رسامة المتزوّجين كهنة هي من صلب تقليدنا الشرقي، ولا منازعة عليها، ومع ذلك فإنّ روما تمنعنا من ممارستها في بلاد الاغتراب حيث يعيش أبناؤنا الشرقيّون ويشكلون رعايا وأبرشيات، عدد أفرادها يتجاوز نصف عدد أبناء كنيستنا عامة.
-إن الحق القانوني الجديد (1991) الذي حل محل الحق القانوني الذي أصدره البابا بيوس الثاني يحدّ كثيرًا من السلطة البطريركية.
 
• لقد نازع جميع البطاركة والأساقفة تقريبًا روما في مفهوم الكنسيات. ورغم ذلك فإن الكنيسة الملكية بقيت وستبقى مخلصة للشركة مع روما.
 تُظهر لنا خبرة الكنيسة الملكية شؤون الكنسيات بين الشرق والغرب وشجونها، إذ فيها تندرج العلاقات بين الكنائس المحلية، بما فيها كنيسة روما، ككنائس أخوات، وفيها تظهر كيفية تحقيق أولية روما والحفاظ على استقلالية الكنائس الأخرى، وكيفية خلق تناغم كنسي في مختلف الأمور...
 بهذا المعنى صرّح هرفيه لوغران قائلاً: "إننا ندرك تمامًا أن العقبة الكبرى في طريق الحركة المسكونية هي موضوع البابوية. لقد قال الكردينال فيلبراندس بهذا الشأن في السنة 1975: "إن الفرصة الكبرى التي يمكننا أن نمنحها للحركة المسكونية مستقبلاً هي بلا شك المفهوم الكنسي المعمّق للشركة. وفي الواقع، فإن لاهوت الشركة بقي أسير مسألة الأولية-الجماعية، الغربية في المجمع الفاتيكاني الثاني. وقال الأب روبير أيضًا: "لا تزال الكنيسة الرومانية الكاثوليكية غير مستعدة لقبول مفهوم (الشركة) بين كنائس مستقلة في الشرق". وأنا أقول إن الكنيسة الكاثوليكية لا تزال غير مستعدة للمضي قدمًا في موضوع "الكنائس- الأخوات" الذي طُرح في المجمع الفاتيكاني الثاني!...تقتضي هذه التسمية في الواقع تغييرًا جذريًّا في العلاقات بين الكنائس، لأنها تعيد إلى الأذهان مبدأ الأخوّة الذي فقدته لمدة طويلة. وكما يقول لوغران: "لا تستطيع كنيسة روما أن تنصّب نفسها ‘أمًّا ومعلمة (Mater et Magistra) لكنيسة الشرق، فهي فقط أخت لها. وهذه فعلاً هي الطريقة التي  يقترحها البابا يوحنا بولس الثاني على بطريرك القسطنطينيّة ديمتريوس الأول إذ يقول: "إني أسأل الروح القدس أن يهبنا نوره الإلهي وأن يُنير جميع الرعاة واللاهوتيين في كنائسنا، علّنا نستطيع أن نصل معًا إلى الصيغة التي تجعل من الوظيفة (البطرسية) خدمة محبة يعترف بها كلا الطرفين". يؤكّد لوغران أن التعابير التي يستعملها قداسته لا تخرج عن نصوص المجمع الفاتيكاني الأول، يقول: "عبّر المجمع الفاتيكاني الأول عن نواياه البليغة بالنسبة إلى أولية الولاية الجامعة بطريقة جلية واضحة عندما قال إن علينا أن نفهم هذه التحديات في ضوء إيمان الكنيسة الجامعة القديم والمستمر، والمعبّر عنها في شهادة، أعمال المجامع المسكونيّة والقوانين المقدّسة، والتي عاشتها الكنيسة باستمرار من خلال عرفها، وترجمتها في إعلانات المجامع المسكونيّة، خصوصًا تلك التي كان يلتقي فيها الشرق مع الغرب في وحدة الإيمان والمحبة. فالمجمع الفاتيكاني الأول نفسه يعتمد مقاييس تقليد الكنيسة القديمة ومجامعها، وبالتالي يتحتّم علينا أن نفسّر مقولاته في أفق الكنيسة القديمة ومعطياتها. بهذا المعنى يمكننا أن نقول إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة بحوارها مع الأرثوذكس لا يمكنها أن تفرض تفسيرها الخاص بها للأولية الرومانيّة وذلك تحت طائلة خيانة مقاييس المجمع الفاتيكاني الأول نفسه. فطريق الحوار حول الأولية وحول المجمع الفاتيكاني الأول ليس مسدودًا إذًا، ولا بدّ لنا من تفسيره بالتوافق مع مجمع فلورنسا، بل بالتوافق مع قوانين سرديقا التي تعترف لأسقف روما بإمكانيّة استشارة حَكَم آخر عندما يلجأ إليه، وهكذا فإن سلطة البابا الحقيقيّة تُستمد من الشركة. بهذا الروح يترتب علينا أن نفسّر سويّة مضمون أوليّة البابا في الكنيسة".
 
القسم الثالث
مساهمة الكنيسة الملكيّة في العلاقات الكنسيّة
                                               عودة الى أول الصفحة
عندما نتكلّم اليوم على الكنسيّات أو الحركة المسكونيّة ننقاد بسهولة إلى الكلام على "الوحدويّة" التي أخذ يعتبرها بعض أعضاء لجان الحوار المسكوني وغيرهم ممن يتعاطون هذا المجال حصان طروادة وكبش المحرقة والضحية التي تستحق جميع اللعنات، وسبب الشرور كلها والعقبة العظمى في طريق المصالحة بين الكنيسة الرومانيّة والأرثودكسيّة.
لسنا الآن بصدد التوسّع في دراسة ما يُسمى "الوحدوية"، ولكنني سأستعرض بعض الاستشهادات التي تُسمعنا نغمًا مختلفًا عن أنغام الأوركسترا المنظّمة ضد الوحدويّة، أو بالأحرى ضد الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة التي هي في شركة مع الكنيسة الرومانيّة، الأخت الأكبر، والأولى في الخدمة وفي الشركة.

مواقف إيجابية من الوحدويّة
يقول الأب ميشيل فان باري رئيس دير شوفوتونيه: "إن الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة هي رائدات الاتحاد المرجوّ، وشركتها مع كنيسة روما جزء لا يتجزّأ من وقفتها أمام الرب ومن مفهوم الكنسيات فيها. شعرت هذه الكنائس، ولا تزال، أنها ضحية الحركة المسكونيّة لكثرة ما نسمع من أصوات مسؤولة تتهمها، هي التي التزمت العمل المسكوني، وكأني بها أخطأت مهمتها". ويتابع قائلاً: "إنّ اعتراف الكنيسة الكاثوليكيّة بأن علينا أن نتجاوز النهج الكنسي المسمى (وحدوية) يحمّل الكنيسة اللاتينيّة المسؤوليّة التاريخيّة أكثر فأكثر تجاه الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة إذ إنها هي المسؤولة عن خلق هذا الوضع...وهي التي عليها أن تتساءل عن دورها تجاه هذه الكنائس، وعن طريقة اعتذارها إليها ورأب الصدع الذي سببته فيها لتتمكّن هذه الكنائس من إيجاد دعوتها المتناغمة مع كنائس الله المقدّسة". ويقول أيضًا: "لقد آن الأوان لنبدأ حوار المحبة الحقيقي بين الكنائس. مؤخّرًا اصطدم الحوار بين الأرثوذكس والكاثوليك بعقبة الوحدويّة الكبرى، والآن حان الوقت لنواجه الأمر بوضوح متبادل وتوبة عن الماضي ومحبة للحاضر وإبداع روحي للمستقبل".
 ويكتب بوريس بوبرينسكي: "هنا أريد أن أحيي جميع الذين حاولوا، وهم في حضن الكنائس الشرقيّة المتّحدة بروما، أن يصلوا إلى وحدة حقيقيّة، ليس بحفظ الطقوس والعادات فحسب، بل بالشركة الروحيّة مع الكنائس الأمهات التي انفصلوا عنها. وإني أسائل النفس، فوق الجراح التي بدأت تلتئم اليوم، ألا يعبّر وجود الوحدويّة، وهي لن تكون بعد مثال الاتحاد الذي نرجوه، عن الرجاء الذي ينمو ويتجدد فينا؟. ويردف بعد قليل: "فيما أعترف بحق الوجود وشرعيّته للجماعات الشرقيّة المتعلّقة بروما، أعتقد في الوقت نفسه أن هذه الجماعات هي الحصيلة المنطقيّة والحتميّة للمبدأ الروماني الذي يعطي أسقف روما السلطة الجامعة والمباشرة".
 أود أن أستشهد أيضًا بالأستاذ أليفيساتوس اليوناني الأرثودكسي الذي كتب قائلاً: "إنه لمن دواعي السرور أن احتجاجات بعض رؤساء الكنائس الوحدويّة قد ليّنت التصلّب الفاتيكاني وجعلته يدرك بعض الحقائق...وهكذا استطعنا أن نحصل، بفضل الوحدويّة، على بعض التطوّر الذي يخدم الاتحاد. وبالتالي، وعلى عكس ما كنت أعتقد وأعمل، تستطيع الوحدويّة أن تكون بركة في تذليل الانقسامات وإعادة الوحدة في كنيسة المسيح". لقد كان هذا النص نبويًّا نوعًا ما، فالموقف الصلب الذي اتخذه غبطة البطريرك مكسيموس الرابع في قاعة القديس بطرس في بعض النقاط قد "ليّنت التصلّب الفاتيكاني".
 وهناك لاهوتي آخر أرثوذكسي يوناني لامع يعيد صدى الأستاذ أليفيساتوس في السنة 1970، أي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، هو الأستاذ نيكوس نيسيوتيس الذي كتب في موضوع مسألة الوحدويين يقول: "يجب أن لا تعوّق مسألة الوحدويّة جهودنا في التقارب، وألا نستعملها حيلة لتبرير الجمود الأرثوذكسي عندما يتوجّب علينا أن نتحرّك من أجل المصالحة. أقول أكثر من ذلك، ربما لن يكون الوحدويون على خطأ عندما يعتقدون أنهم يعملون من أجل قضية التقارب بين الأرثوذكسيّة وروما، حتى وإن تحسّنت العلاقات اليوم بينهما. ففي أثناء المجمع (الفاتيكاني الثاني) مارس الوحدويون انتقادًا مفتوحًا من داخل الكثلكة بخصوص بعض المواقف الكنسية في الكنيسة اللاتينيّة. فبدلاً من اعتبار الوحدويين جاحدين، يحسن بنا أن نرى فيهم وسيلة إضافية لخدمة الحوار. من هذا المنطلق الجديد وبهذا المنظار الجديد لعملنا أمام الله نستطيع أن نصبح خدّامًا حقيقيين للوحدة".
 ويكتب لوغران أيضًا: "من المناسب أن نعي أن ثمة نماذج متنوّعة للوحدويّة. فالبعض من هذه الكنائس وُجد بطريقة اصطناعيّة، والبعض اتحد بكليّته مع روما (الموارنة مثلاً)، والبعض الآخر أراد أن يكون جسرًا بين الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة (كالملكيين مثلاً) وقد نجحوا بذلك بعض الأحيان. نسجل للتاريخ أننا لن ننسى أن الحركة المسكونيّة الكاثوليكيّة الناشئة قد أدركت، بفضل الاحتكاك بهم، أن طبيعة الكثلكة الحقة لا تقتصر على الرومانية فقط. هذه الحركة التي أنجبت شوفوتونيه في بلجيكا وإستينا في فرنسا قد أتت بثمارها في نهاية المطاف في المجمع الفاتيكاني الثاني. إن كلمة البطريرك أثيناغوراس لمكسيموس الرابع بطريرك الملكيين الكاثوليك: "أنتم تمثلوننا جميعًا (في المجمع الفاتيكاني الثاني)، فشكرًا لكم"، ليست مجرّد صدفة أو مجاملة، بل هي إعلان يحمل حصته من الحقيقة أيضًا. إذا كان هذا صحيحًا، أفلا يتحتم علينا كمسيحيين أن نأمل بان الكنائس المتحدة تستطيع أن تساهم في إطار الحوار الراهن؟ ولنقل بجرأة إن اليأس من ذلك ليس من المسيحيّة بمنزلة. وبدلاً من أن نضع ثقلنا على الوحدويّة التي يمكنها أن تخدم هدفنا، لنلتفت إلى الأولية الرومانيّة والاستقلاليّة (هذان الموضوعان يجب ألا يفترقا) لكونهما جوابين مختلفين لمسألة مشتركة هي موضوع ارتكاز الشركة بين الكنائس المحلية في حضن الكنيسة الجامعة".
 "نحن لا نشجع الوحدويّة، ولكن لا يمكننا إلا أن نعتبر الكنائس الشرقية المتحدة كنائس-أخوات وطرفًا في الحوار. ففي الوقت الذي تكتشف فيه الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسيّة أن الكلام عن مفهوم الشركة الكنسي يجب أن يتحقق وأن تعتبر الواحدة الأخرى كنيسة-أختًا، يستحيل أن نرفض حق الكنائس الشرقيّة المتحدة".
 أختم استشهاداتي هذه بشهادة اللاهوتي الأرثوذكسي الكبير جان مايندورف، يقول: "لقد جر الانشقاق الحديث، ذو الطابع السياسي القومي، بعض القناعات اللاهوتيّة والعقائديّة، ولكنه لم يمنع البطريركيّة ا(لملكيّة) من أن تصون عمليًّا ليترجيتها وتقاليدها الأرثوذكسيّة كاملة، رغم أن اكليرسها تلقى تنشئته كّلها عمومًا في الأوساط اللاتينية. حاليًّا، وخصوصًا منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، ثمة رغبة شديدة عند عدة مجموعات من الكنيسة الملكية لإصلاح هويتهم (الشرقية)، وكما يقول الأب خير الله، (وللشهادة أمام الأرثوذكسيّة والكثلكة الرومانيّة بأنهم (أي الملكيين) يستطيعون أن يعيشوا الأرثوذكسية بالشركة مع روما)، وهذا هو المنطلق الأساسي... يجب أن يعي الارثوذكسيّون هذا الواقع لأنهم بذلك يتقاربون مع إخوة وأخوات لهم بالمسيح، عندهم التطلعات والقناعات والحياة الروحية المشابهة بهم، ولأن ذلك يحلحل الأمور الكنسية المختلف عليها بين الأرثوذكسيين والرومان الكاثوليك عمومًا، ويذلل بعض المشاكل المطروحة داخل البنية الكنسية الأرثوذكسيّة نفسها". ويتابع لاحقًا فيقول: "إن الملكيين يرغبون، بحسب ديسي (وخير الله)، أن يكوّنوا مفهوم الشركة الكنسية بين كنائس-أخوات. وتودّ البطريركيّة الملكية أن تعلن نفسها (كنيسة-أختًا) لروما، وهذا يقدم برنامجًا مقبولاً لدى الأرثوذكس لاتحاد الكنائس، خصوصًا في العائلة الأنطاكيّة. كما تودّ أن ترفض المفهوم المركزي الروماني للكنسيّات الذي يعود تطوّره وتطبيقه على الكنائس الشرقيّة (المتحدة) إلى العقليّة اللاتينيّة التي أنجبها المجمع التريدنتيني.
 
دور الكنيسة الملكيّة
سنتناول في هذا القسم الأخير من دراستنا دور كنيستنا الملكية. تنكر علينا صفة الكنيسة-الجسر بين الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة والأرثودكسيّة، ولكننا سنقدّم نفسنا كأرض صالحة لاختبار الكنسيات-الجسر التي ألمحنا إليها في المجمع الفاتيكاني الثاني. وبهذا نقدم خدمة جلّى للكنسيات بين الشرق والغرب.
نعتذر عن إطالة الكلام على هذه الكنيسة الشرقيّة الكاثوليكيّة الصغيرة التي تعد حوالي 1700000 مؤمن. ولكن المهم في الموضوع ليس نحن، فالكنيسة مهما كانت صغيرة هي، لاهوتيًّا، كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة، هي جسد المسيح السري الممجد. ولذلك في كلامي هذا أريد أن أسوق بعض الملاحظات الأساسيّة انطلاقًا من خبرتي كأسقف في هذه الكنيسة المقدّسة:

1- نحن الملكيين نريد أن تطبق روما علينا المبادئ الكنسية التي تريد أن تطبقها مع الأرثوذكسيّة عندما تتحقق الوحدة المرجوّة. فالتأكيد أن هذه المبادئ (خصوصًا ما جاء منها في المجمع الفاتيكاني الثاني، وقد تناولناها في شرحنا أعلاه) ستمارس مع الكنائس الأرثوذكسيّة هو خدعة مسكونيّة! والأرثوذكسيّون مقتنعون بذلك. ونحن نعلم أن روما قدمت لنا الوعود نفسها عندما استعدنا الشركة معها في السنة 1724. فبدءً من مجمع فلورنسا، ومرورًا بالمجمع الفاتيكاني الأول والرسائل البابويّة، وخاصة رسالة البابا ليون عشر الشهيرة "كرامة الشرقيين"، وانتهاءً بالمجمع الفاتيكاني الثاني... بقينا نراوح مكاننا على الوعود!

2- نحن كنيسة رسوليّة في أنطاكيا والإسكندريّة وأورشليم، كنيسة أرثوذكسيّة في شركة كاملة مع روما، بينما الأرثوذكسيّون ليسوا بعد في شركة مع روما، ولذلك نسمى كاثوليك. هذا هو الفارق الرئيسي بين الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، وإن كان ذلك لا يعجب الكثيرين من اللاهوتيين، الأرثوذكس منهم أو الكاثوليك، المستشرقين منهم أو الأعضاء في اللجان المسكونيّة الرومانيّة!
نحن إذًا كنيسة قديمة كالكنيسة الأرثوذكسيّة، لنا الأصل نفسه والصحة نفسها اللذان للكنيسة الأرثوذكسيّة. نحن كنيسة المجامع المسكونيّة السبعة، وقرارات هذه المجامع تنطبق علينا. نحن كنيسة بطريركيّة موقّرة، وكنيسة-أخت بكل ما لهذه العبارة من أبعاد.

3- إن التقليل من احترام الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة (وخصوصًا الكنيسة الملكيّة) هو تقليل من احترام الأرثوذكسيّة، والقبول والاعتراف بالكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة ككنائس رسوليّة، كنائس بطريركيّة، كنائس-أخوات في شركة كاملة مع روما بما تعنيه الكلمة، هو ضمانة المصداقيّة الرومانيّة تجاه الأرثوذكسيّة! أما قلة اعتبار هذه الكنائس وجعلها بطريركيّات مصغّرة أو مستحدثات رومانيّة أو عبئًا أو كنائس مؤقتة فهي فقدان المصداقيّة تجاه الأرثوذكسيين.

4- على روما أن تبدأ عمليّة اختبار أو "ترويض" (روداج) مع نفسها لتتعامل مع الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة بموجب مبدأ الكنسيّات-الجسر. لربما يخدم هذا الاختبار اللاتين أنفسهم إذ كثيرون غير راضين عن مفهوم الدوائر الرومانيّة للكنسيّات.

5- تبقى الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة، رغم ضعفها العددي والكنسي، مقياس الجو المسكوني ومفتاح كل تقدم في الحوار الكاثوليكي-الأرثوذكسي.

6- نطالب روما، باسم الصراحة الكنسيّة وباسم الصداقة بالمسيح والغيرة المتقدة، أن لا تعامل الأرثوذكسيّين بطريقة مختلفة عنا. نحن لا نقبل بالمعيار المزدوج! فالموضوع ليس موضوع احترام خارجي أو آداب مسكونية أو رفق إنساني...بل هو موضوع تصرّف كنسي أساسي، موضوع حق شرقي. كما أن طريقة إدارة شؤون الكنيسة لا يجوز أن يكون فقط عبر دوائر رومانيّة بل عبر نهج أكثر كنسية وأكثر توافقًا مع تقليد الشرق المسيحي الذي ساد مئات السنين. ولا يمكن تجزئة الشرق إلى شرق كاثوليكي وآخر أرثوذكسي! في الواقع لن يقبل الأرثوذكسيّون أن تدار شؤون كنيستهم ويعاملوا من خلال دوائر رومانيّة يرتبطون بها، فلماذا يتوجّب على الكنائس الكاثوليكيّة أن ترتبط بهذه الدوائر (مع العلم أننا لا ننكر البتة الخدمات الجلّى التي قدّمتها لنا والتفاني الذي عملت به)؟

7- يجب أن نتخلّص من الإبهام الذي أشرنا إليه في بداية القسم الثاني من مقالنا. فروما تعتبرنا "صنعة يديها" وثمرة إنعامها الروماني، بينما نحن نعتبر أنفسنا كنيسة وريثة للمجامع المسكونيّة السبعة.
كملكيين كاثوليك، وُلدنا بكل أسف في هذا الإبهام السائد منذ ثلاثمئة سنة. ولذلك نحن دومًا في حالة سوء تفاهم وقلة ارتياح مع روما ومع الدوائر الرومانيّة، ومع اللاتين والملتننين في الشرق والغرب، ومع من يسمّون مستشرقين، ومع العقليّة الرومانيّة...ولمّا ننته بعد من هذا الإبهام.

8- لقد حان وقت إعلان الحقيقة العظمى، ألا وهي الكنسيّات- الجسر التي نوه إليها المجمع الفاتيكاني الثاني. إنه الوقت المناسب للتخلّص من الإبهام باسم الكنسيّات-الجسر. علينا أن نعلن دون وجل أو تردد أن روما تطبّق على كنيستنا مفهومًا كنسيًّا غربيًّا غريبًا عنا، وأن نعيد الاعتبار إلى المفهوم الكنسي الشرقي كبديل منه. علينا أن نقول إن روما، انطلاقًا من الكنسيّات الغربيّة، قد حوّلتنا إلى وحدويين. نحن لا نقبل بهذا المفهوم للكنسيّات إلاّ إذا اكتسب توازنًا وطعّم وعدّل بالمفهوم الشرقي للكنسيّات الذي أشاد به المجمع الفاتيكاني الثاني بإطناب. علينا أن نشير إلى الحقيقة التاريخيّة وهي أن روما نكثت بوعودها التي أتخمتنا بإعلانها عنها مدة ثلاثمئة سنة، وخير برهان على ذلك هو قوانين الكنائس الشرقيّة الصادر حديثًا.
لقد حوّلت روما الكنائس الشرقيّة البطريركيّة الكاثوليكيّة إلى بطريركيّات صغيرة قاصرة مرتبطة بها، جعلتها موضوع ازدراء للاتين والأرثوذكس في آن. لقد حوّلت روما هذه الكنائس الجليلة إلى مجرّد طقوس. فنحن مختلفون عن اللاتين بدءًا من طريقة رسم إشارة الصليب، إلى لباسنا الليترجي، فشموعنا وبخورنا وإيقوناتنا، إلى الاسم الذي يطلق على الأبرشيّة وعلى المطران. لم نحتفظ إلاّ بهذه الكلمات في كنيسة الشرق العظمى! لربما يبدو الأمر كاريكاتوريًّا في هذا العرض ولكنه يحمل في طيّاته حقائق كثيرة.

9- علينا أن نرفض التجاوزات التي مورست على حقوق كنيستنا وامتيازاتها، بما يخالف قرارات المجامع، بمجرّد قرار بسيط من الدوائر الرومانيّة. نشير إلى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر:
- كان ينتخب الأساقفة الملكيون أساقفتهم الجدد في المجمع المقدس دون تدخل من روما. بعد المجمع الفاتيكاني الثاني فُرضت لائحة "القابلين للأسقفيّة" التي يعدّها موظفو المجمع البابوي من أجل الكنائس الشرقيّة، أو على الأقل، يعدّها السينودس ويوافق عليها المجمع الشرقي.
- بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، أعلمت الدوائر الرومانيّة البطريرك الكبير مكسيموس الرابع، بطل المجمع، أن قرارات المجمع بخصوص الامتيازات البطريركيّة لا يمكن تنفيذها، وأن لائحة "القابلين للأسقفيّة" يجب أن يُعمل بها.
- لتعيين أساقفة ملكيين لأبنائنا في بلاد المهجر قررت روما تسمية الأسقف بنفسها، وبعد أخذ ورد قبلت بأن يعدّ المجمع "لائحة ثلاثيّة"، أي يقترح آباء المجمع ثلاثة مرشحين، وتسمي روما (أي موظفو المجمع الشرقي) واحدًا منهم، وربما تسمي شخصًا آخر!
- يُحَلّ أساقفة المهجر من مجمعهم ومن البطريرك أبيهم ورئيسهم، ويرتبطون مباشرة مع الدوائر الرومانيّة.
- تقليد الكهنة المتزوّجين صالح في الشرق، ولكنه ممنوع على أبنائنا الشرقيين أنفسهم الذين يعيشون في بلاد الاغتراب.

10- مثل هذه التصرّفات جعلت من البطريركيّات الشرقيّة الكاثوليكيّة أنصاف بطريركيات، جعلتها وحدويين. وأظهرت أن مفهوم الكنسيات-الجسر الذي نوّه إليه المجمع الفاتيكاني الثاني من خلال تعابير متعددة، مثل "الكنيسة المحلية، والكنيسة الخاصة، والكنيسة البطريركيّة، والكنيسة-الأخت، والكنيسة الشرقيّة..."، ليست إلا أسماء على غير مسمى، وليس فيها شيء من الحقيقة، وهذا ما نلمسه في الرسالة الموجهة إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكية والموقعة من الكاردينال راتسنغر أمين سر المجمع البابوي لأجل العقيدة والإيمان، والمعنونة "حول بعض وجوه الكنيسة كشركة".

11- أمام ذلك كله،  يجب على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة أن تتحلّى بالشجاعة لتعلن نفسها كنائس مستقلّة وفي شركة كاملة مع الكنيسة-الأخت الكبرى روما. في الواقع، إن عبارة "الكنيسة مع بطرس" ليست أقل قوّة من عبارة "الكنيسة تحت (سلطة) بطرس"، لا بل تحمل العبارة الأولى مضمونًا كنسيًّا وكتابيًّا يعبّر عن الشركة الكاملة "مع بطرس"، بكل ما يعني ذلك للكنائس الشرقيّة التي سفك كثير من أعضائها دمهم مستشهدين ليبقوا في هذه الشركة "مع بطرس".

12- على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة أن تتحلّى بالشجاعة لتعلن أن تسعين بالمئة من تصرّفات روما (بل الدوائر الرومانيّة) وتدخلاتها في حياة هذه الكنائس (لا بل في حياة الكنيسة اللاتينيّة نفسها) لا تمتّ إلى الأوليّة الرومانيّة بصلة، بل تسيء إليها وتهدمها.
علينا أن نرفض ذلك لأجل خير الكنيسة. وهنا أود أن أستشهد بالأستاذ الأب راتسنغر (قبل أن يصبح كاردينالاً)، إذ كتب في السنة 1968 يقول: "إن القانون الكنسي الموحد والليترجيا الموحدة والطريقة الوحيدة في تسمية الأساقفة من قبل روما، انطلاقًا من مبدإ المركزيّة، هذه الأمور ليست حتمًا جزءً من الأوليّة، وهي لم تتحقق بهذا الشكل إلاّ عندما أصبحت مهمة البابا ومهمة بطريرك (روما) واحدة، لذلك علينا أن نميّز مستقبلاً بين الوظيفة التي تدعى خلافة بطرس والوظيفة البطريركيّة".
 وهكذا، واستنادًا إلى الأستاذ راتسنغر الشهير، يمكننا أن نعبّر بكل حريّة ونطرح الأسئلة التالية:
- هل ننتقص الأوليّة الرومانيّة إذا انتخبت المجامع الشرقيّة أساقفتها بدون لائحة "القابلين للأساقفية"؟
- هل نضير الأوليّة الرومانيّة إذا انتخبت المجامع أساقفة للمهجر بالتشاور مع البابا، وبدون اللائحة الثلاثيّة؟
- هل نضر بالأوليّة الرومانية إذا كان عندنا كهنة متزوّجون في بلاد الاغتراب؟
- هل نضيم الأوليّة الرومانيّة إذا خففنا لجوءنا إلى روما دون أن ننكر مبدأ اللجوء هذا في الحالات القصوى؟
- هل نتعدّى على الأوليّة الرومانيّة إذا كان للبطاركة الشرقيين ولاية على أبنائهم في المهجر بالاتفاق مع البابا؟
- هل نبطل الأولويّة الرومانيّة حقها إذا خففنا كلمة "لجوء" المستعملة بغزارة في "قوانين الكنائس  الشرقيّة"، واستعملنا كلمة اتفاق أو مشاورة أو استئناس كنسي أخوي أو إعلام سابق ولاحق، حسب المعنى. أو إذا ألحّينا على التوافق الكنسي وعلى الجماعيّة والتناغم مع روما وتبادل المعلومات والخبرات ووجهات النظر والتوجهات الأساسيّة؟...
- هل نلغي الأوليّة الرومانيّة إذا أصدر البابا، بالاتحاد مع البطاركة الشرقيين الكاثوليك، مجموعة "قوانين الكنائس الشرقيّة"؟
أليس كثير من هذه الحالات أو الاقتراحات متطابقًا مع مبدإ الكنسيّات- الجسر؟ ألا نقرأ في البند الرابع عشر من قرار الحركة المسكونيّة للمجمع الفاتيكاني الثاني أنه "إذا نشب بينها (أي بين كنائس الشرق والغرب) خلافات في العقيدة أو في النظام يستخدم الكرسي الروماني سلطته بموافقة الجميع"؟ ألا يعني هذا النص أن اللجوء إلى روما كان نادرًا، ولم يكن أمرًا مؤسساتيًّا؟ وهذا ما يؤكّده الأب لوغران إذ يقول: "في إطار نص البند 14، نجهل فكرة أن البابا يدير الكنيسة الجامعة في الأمور العاديّة".

13- إن الكنسيّات الشرقيّة الحقيقيّة هي كنسيّات الألف الأول التي يجب أن تكون كنسيّات الكنائس الشرقيّة، وخصوصًا الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة، ولكن مع الانتباه الأساسي إلى الشركة الكاملة مع كنيسة روما العظمى والمقدّسة. هذه الشركة التي تألمنا وأُذللنا كثيرًا من أجلها، ولا نزال. هذه الشركة يجب ألا تنتقص شيئًا من أسس الكنسيّات الشرقيّة، لا من حيث المبنى ولا من حيث المعنى ولا من حيث التطبيق العملي.
على الكنائس الكاثوليكيّة الشرقيّة أن لا تتنازل عن مفهومها الشرقيّ للكنسيّات لصالح المفهوم الروماني الذي يمكنه أن يصلح للغرب، ولكنه لن يصلح للشرق أو للكنيسة الجامعة. بهذه الطريقة يمكن الكنائس الشرقيّة أن تبقى مخلصة لكنسيات الألف الأول، كنسيات المجامع المسكونيّة والمجمع الفاتيكاني الثاني.
هذه الكنسيات- الجسر وحدها تستطيع أن تكون أساس الحركة المسكونيّة الصحيحة، وأن تدفع الحوار المسكوني الكاثوليكي- الأرثوذكسي إلى الأمام. إن الموقف الحازم للكنيسة الملكيّة في هذا المضمار هو مرساة الخلاص للجميع، ولذلك تمسي هذه الكنيسة الضمير الشرقي للكنائس الكاثوليكيّة. فلولا الملكيين لتلتنن الشرق منذ عهد بعيد، ولأصبح الشرق والغرب في غربة مطلقة، كما يقول الأب كونغار.
إن الملكيين مدعوون إلى هذه الدعوة الفريدة. فهل يعون ذلك هم أنفسهم؟ وهل يعطون الفرصة ليلبوا دعوتهم-رسالتهم هذه؟
 
تكلّم! لا تكن أخرس!
                                               عودة الى أول الصفحة
على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة أن تتكلم، وتبدد شبح التهمة بالوحدويّة، وتحصل على حريّة أبناء الله والثقة الكنسيّة والوضوح في التعبير. هذا هو دور الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة. مطلوب منا أن نفصح عن ذاتنا أكثر من أي وقت مضى! وكلمتنا منتظرة اليوم أكثر من ذي قبل لتفتح الطريق المسدودة التي وصل إليها الحوار المسكوني! علينا أن نعامل روما ككنيسة ترئس بالشركة والمحبة، ولكن ككنيسة-أخت! علينا أن نعامل روما كشريك في الشركة الكنسيّة، وصديق وحليف...بثقة وصدق وصراحة وحريّة وليونة وروح حوار، بحسب تقليد المجامع المسكونيّة المقدّس والموقّر.
يجب ألا يُفهم أن مطالباتنا الكنسيّة بالحقوق والامتيازات هي تطاول على حق روما أو مقاومة لها أو ثورة ضدها أو تفكير بالانشقاق البطيء! على عكس ذلك، نريد أن نعيش مع روما في جو الكنيسة والشركة الكاملة والبهيّة، المسيحيّة والإنسانيّة، شركة كاملة مع بطرس وخلفائه، وهذا هو الموقف الكنسي الوحيد الصحيح والأصيل. هكذا نستطيع أن نسير دربًا طويلاً وجميلاً مع روما، دربًا كاملاً وبغير رجعة. وأن نقوم بدورنا الكنسي والإكليسيولوجي والمسكوني، الرائد والفريد مع أختنا كنيسة روما ومع إخوتنا اللاتين عمومًا في الغرب، ومع إخوتنا الأرثوذكسيين والكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة المستقلّة في الشرق، ومع كنيسة المسيح الجامعة كلها، عمود الحق وحاملة رسالة الخلاص للعالم أجمع.