دراسات

روحانيّات

 

 

 

روح الرجـــــاء

 


شاءَ منظّمو أسبوعِ الصلاةِ من أجلِ وِحدةِ الكنائسِ في الشرقِ الأوسط، لهذا العام، أن يتّخذوا من "الرجاءِ" شعارًا وموضوعًا لصلاةِ المسيحيّينَ التائقينَ إلى وِحدةٍ كنسيّةٍ يريدونها حقيقيّةً، حسيّةًً وملموسةً، وفي هذا ضمانةٌ وتصويب أكيدان.

ضمانةٌ لأنَّا جميعًا - على اختلافِنا - مدركونَ منذ الآن وِحدةً قائمةً بالرجاء كما يقول الرسولُ بولس لأهل أفسُس: "إنَّ الجسدَ واحدٌ، والروحَ واحدُ، كما أنّكم، بدعوتِكُم، دُعيتُم إلى الرجاءِ الواحد. وإنَّ الربَّ واحدٌ، والإيمانَ واحدٌ، والمعموديّةَ واحدةٌ، والإلهَ واحدٌ، والآبَ واحد" (أف4؛ 4-6). ويؤكّدُ بولسُ أنَّ مُنشئَ هذه الوِحدةِ إنّما هو الآبُ نفسُهُ، يراها محقَّقةً في ابنِهِ الوحيدِ يسوع وفي مَن آمنَ بهِ "لأنّكم جميعًا أبناءُ اللهِ بالإيمانِ بالمسيحِ يسوع... وجميعًا واحدٌ في المسيحِ يسوع" (غل 3؛ 26 و28). إنّ كلامَ الرسولِ هذا يجعلُ في قلبِ كلِّ واحدٍ منّا يقينًا أنَّ الآخرَ المختلفَ ثقافةً وانتماءً كنسيَّين إنّما هو أخٌ لي وابنٌ للآب، ينتظمُ كلانا في رعيّةِ المسيحِ الواحدةِ التي تتبعُهُ لأنّها تعرفُ صوتَهُ. "يا ما ألذَّ، يا ما أحبَّ، يا ما أعذبَ صوتَكَ الإلهيَّ أيّها المسيح – ترنّمُ كنيسةُ المسيحِ ذاتُ التقليدِ البيزنطيّ يومَ الفصح، لأنّكَ وعدتَنا وعدًا صادقًا بأن تكونَ معنا إلى انقضاءِ الدهر. فبذا الوعدِ نعتصمُ نحنُ المؤمنينَ، كمرسى رجاءٍ، ونبتهجُ مسرورين".

ولكنَّ هذهِ الثقةَ ينافسُها في حياتِنا واقعٌ شخصيٌّ وكنسيٌّ باهت. فناموسُ الخطيئةِ ما زالَ يفتُكُ في جسدي وهبّاتُ الإنسانِ العتيقِ كالسعيرِ تُلهِبُني وتسلمُني في النهايةِ إلى الموت. وروحُ العالمِ والانقسامِ والتحزّبِ ما برِحَ يسري في كنائسِنا فتخبو فيها الشهادةُ ليسوع. تلكَ الشهادةُ التّي العالمُ يطلبُها وينتظرُها لكي يؤمنَ بيسوع. "أيّها الآبُ – صلّى يسوع – ليكونوا كلُّهم واحدًا ... لكي يؤمنَ العالمُ بأنّكَ أرسلتَني" (يو 17؛21). فالوِحدةُ المسيحيّةِ ليست فقط لأجلِ المسيحيّين، بل من أجلِ إيمانِ العالمِ وتحويلِهِ فيصبِحَ مشروعَ ملكوت.
أمام هذا الواقع وجوابًا على منطقِ الخطيئةِ الّتي هي في الأصلِ "عدمُ إصابةِ الهدف"، يدعونا الرجاءُ، من حيثُ هو فضيلةٌ إلهيّةٌ، لا إلى الهربِ، بل إلى تصويبٍ دائمٍ للمفاهيمِ والسلوك، إلى تجدّدٍ مطّردٍ في الأذهانِ والحياة، إلى ارتقاءٍ مستمرٍ نحوَ مَن هو الرأسُ والهدفُ أيِ المسيح، يدعونا إلى كرازةِ الإنجيلِ، إلى التوبةِ عتبةِ الملكوتِ ودستورِه. "توبوا فقدِ اقتربَ ملكوتُ السماوات" (مت 3؛2).  والتوبةُ، وما تكتنـزُهُ من تجدّدٍ وارتقاءٍ ونموّ، تقومُ كما الإيمانُ والمحبّةُ على الرجاء. فالإيمانُ، كما يعرّفُهُ كاتبُ الرسالةِ إلى العبرانيّين، "هو قيام –أو قوامُ- المرجوّات" (عب 11؛1)، و"المحبّةُ ترجو كلَّ شيء" يقولُ بولس (1كور 13؛6). فبعينِ الرجاءِ الواحدِ الذي إليهِ دُعينا نتطلّعُ ونلتمسُ رؤيةً جديدةً لذواتِنا، ولكنائسِنا وللعالم.

فروحُ الرجاءِ الذي فيّ لا يسلمُني إلى الفشل. "بل ولئنْ كانَ إنسانيَ الظاهرُ ينهدِمُ، فإنسانيَ الباطِنُ يتجدّدُ يومًا فيومًا... لأنّني أنظرُ إلى ما لا يُرى... إلى ما هو أبديّ" (2كور 4؛ 16و18).
بروحِ الرجاءِ الذي فيّ "أحسبُ نفسيَ ميتًا للخطيئةِ وحيًّا للهِ في المسيحِ يسوع" (رو 6؛11).
بروحِ الرجاءِ أعلمُ أنّي سأُصيبُ نصيبَ آلِ اليمينِ يومَ القيامةِ، ولهذا جسدي منذُ الآنَ يسكُنُ على الرجاء (مز 16). وأنطلقُ من قوّةٍ إلى قوّةٍ، ومن مجدٍ إلى مجد، إلى أن يتجلّى لي إلهُ الإلهةِ في صهيون (مز 82).
بروحِ الرجاءِ أنا منذُ الآنَ "مواطنُ القدّيسينَ ومن أهلِ بيتِ الله" (أف 2؛19)، أنا واحدٌ من سكّانِ أورشليمَ السماويّةِ "الّتي اللهُ مؤسّسُها وبانيها" (عب 11؛10)، وابنٌ للأمِّ صهيونَ السرّيّةِ وعضوٌ  في الكنيسة. تلكَ العروسُ التي محرّمٌ علينا النظرُ إليها إلاّ بعينَي عريسِها المملؤتَين رجاءً. عروسٌ أحبَّها خِطّيبُها بالرغم من ضعفِها وخطيئتِها وتشرذُمِها وانقسامِها، "فبذلَ نفسَهُ لأجلها، ليقدّسَها ويطهِّرَها بغَسلِ الماءِ وبالكلمة، وقطعَ عهدًا أبديًّا على نفسِه ألاّ يراها إلاّ كنيسةً مجيدةً، عروسًا لا كلفَ فيها ولا غَضْنٌ ولا شيءٌ مثلُ ذلك، بل مقدّسةً ولا عيبَ فيها" (أف 5؛26 -27). عروسٌ أطلقَها ربُّها في العالمِ لتحوّلَهُ إلى فردوسٍ وتجعلَ منه الملكوت. لتُطعِمَ الجياعَ إلى البرِّ خبزَ الحياة، وتسقيَ العَطشانَ كأسَ الخلاص، وتأويَ الغريبَ في بيتِ الآب، وتكسوَ العريانَ لباسَ المجد، ولتعودَ المريضَ وتداويَهُ بدواءِ الخلود، وتناديَ للمأسورينَ بالحريّة والانعتاق. فتنهدمُ أمامَ قدرتِها أبوابُ الموت.

هذا هي الكنيسةُ سرُّ الأسرار، يجعلُها سيّدُها آيةً للعالمينَ وتقديسًا لهم.
هذا هو تاريخُ الكنيسةِ – لا بل التاريخُ - يخطُّهُ الروحُ القدسُ بالرجاءِ بين الواقعِ والمرتجى، بينَ عدنٍ الأرضيّةِ وأورشليمَ العلويّةِ، بينَ "آدمُ أينَ أنتَ" (تك 3؛9) و"ماران آثا! تعالَ أيُّها الربُّ يسوع! نعم إنّي آتٍ عن قريب" (رؤ 22؛20). آمين

 



راعي كنيسة القديسة حنّة – الربوة للروم الكاثوليك.
الاب الياس شتوي