دراسات
روحانيّات
مقدّمات الكتب الطقسيّة لكنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك
وضعها المطران لطفي لحّام (البطريرك غريغوريس الثالث)
ومعاونوه في اللجنة الليترجيّة البطريركيّة
بين الأعوام 1992-2000
كتاب الصوم (التريوذيون)
كتاب الخمسيني (البندكستاري)
أعياد الزمن الخمسيني
ميلاد ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح بحسب الجسد
ظهور ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح المقدّس
مقدمة في لاهوت الليترجيّا الإلهيّة المقدّسة
عودة إلى أول الصفحة
الإفخارستيا سرّ الأسرار كما أنّ الفصح هو عيد الأعياد
إذا ما كان لجماعة المسيحييّن مبدأ أساسيّ هو الإيمان بالسرّ والعيش به، وإذا ما كانت الأسرار وجوهًا لسرّ الله الآخذ صورة البشر ليرفعهم إلى صورة الإلهيّة، فإنّ الإفخارستيّا هي "سرّ الأسرار"، إذ لا تدخل في سلسلة الصلوات الفرضيّة، بل تتوّجها، تمامًا كما لا يدخل في الفصح في حلقة الأعياد، حتى السيديّة الكبرى منها، بل هو، كما تسمّيه الكنيسة في صلواتها عيد الأعياد وموسم المواسم" (الأوذية الثامنة من قانون الفصح).
ولا عجب، فثمّة ارتباط جوهريّ بين الفصح والإفخارستيّا، لأن هذه هي المكان الأسراريّ (Lieu sacramental) حيث يتمدّد الحدث الفصحيّ في الكنيسة ليصبح كنيسة. ولم يُسمّ القديس غريغوريوس النزينزي (ق4) الإفخارستيّا "ذبيحة القيامة"، ولم يسمّها نيقولاوس كاباسيلاس (ق14) "إيقونة تدبير المخلّص"، إلاّ لأن ميستاغوجيّة الليترجيّا الإفخارستيّا المكثّفة وميستاغوجيّة السنة الطقسيّة تتلاقيان في خطوطهما الكبرى الثلاثة:
- فخدمة الكلمة تقابل الظهور الإلهيّ (الميلاد- العماد- التبشير)
- وخدمة الأنافورا تقابل الفصح (الآلام- الموت- القيامة).
- وخدمة المناولة تقابل العنصرة، أي التأليه (Theosis).
إن الإفخارستيّا تُدخل البشريّة في سرّ المسيح الفصحيّ، جاعلة من كل مسيحيّ إنسانًا فصحيًّا، أي مشاركًا في آلام السيد وموته وقيامته، وشاهدًا للروح القدس، بل حاملاً إيّاه في هذا العالم. وهكذا، فإنّ الكنيسة بإقامتها الإفخارستيّا، تصبح وجودًا فصحيًّا دائمًا للمسيح الربّ في العالم.
الإفخارستيّا تحقيق سرّي للتجسّد والفداء.
إنّ موضوع الإفخارستيّا وغايتها هما السيّد المسيح. فالإفخارستيّا، إذن، هي خلاصة العهد الجديد.
يخبرنا سفر أعمال الرسل أنّ المؤمنين كانوا يجتمعون ليسمعوا الكرازة ويكسروا الخبز (أعمال 2، 42؛ 20،7):
أما الكرازة فهي المسيح- الكلمة النافذ إلى الأذهان (أعمال 2، 22-24؛ 32؛34).
وأمّا الخبز فهو المسيح- غذاء المؤمنين (يوحنا 6، 32...؛ متّى 26، 26...؛ مرقس 14، 22...؛ لوقا 22، 14...؛ 1 كورنثس 10، 16؛ 11، 23).
وتعبّر الليترجيّا الإلهيّة عن هذا الواقع، رمزيًّا، بكتاب الإنجيل (أي البشرى الحسنة أو الكلمة) الذي يتوسّط المائدة المقدّسة، في القسم الأوّل من القدّاس، ويكون محور صلواته واحتفالاته وبإبداله بالصينيّة والكأس، حاملي الجسد والدم، فيصبحان هما المحور في القسم الثاني منه.
وكأني بالكنيسة تحقّق رمزيًّا سرّ الخلاص، موضوع الكتاب المقدّس في عهديه، وعدًا في القديم يُضحي واقعًا في الجديد: "الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا، وقد شاهدنا مجده..." (يوحنا 1، 14)، هذا السرّ الذي أنعم به الله علينا بدافع محبّته المجّانيّة لنا: "هكذا أحبّ الله العالم، حتّى إنّه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يوحنا 3، 16). والحياة هذه هي هبة الثالوث القدّوس العظمى للبشريّة... لذلك نهتف، في ختام القدّاس، بعد تمام هذا التحقيق فينا: "لقد نظرنا النور الحقيقيّ وأخذنا الروح السماويّ، ووجدنا الإيمان الحقّ. فنسجد للثالوث غير المنفصل لأنّه خلّصنا". وتأتي هذه الترنيمة كشهقة عميقة، بعد فرحة اللقاء ونشوة الاتحاد وانشراحة التمتّع بالحضور الإلهيّ الحقيقيّ.
لذلك نقول إن الليترجيّا الإلهيّة هي الذكرى المُظهرة anamnèse épiphanique التي تُعلن حدث الخلاص وتُظهره سريًّا وتؤوّنه ليصير حاضرًا نعيشه: "الآن قوّات السماوات تخدم معنا على حال غير منظور... فهوذا ملك المجد مقبل. هذه ذبيحة سريّة مكمّلة تمرّ في موكبها. فلنتقدّم بإيمان وشوق لنصير شركاء في الحياة الأبديّة" (نشيد الدورة الكبرى في رتبة الأقداس السابق تقديسها).
الإفخارستيّا ذوق سابق للملكوت
في القدّاس نعيش بنوع خاصّ، ونحن بعد على الأرض، ليترجيّا السماء، حيث ربوات الملائكة ترفع الحمد والتسبيح للثالوث القدّوس المتساوي في الجوهر هاتفة: "قدّوس، قدّوس، قدّوس ربّ الصبؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك" (أشعيا 65، 1-3). نشيد السماء هذا نسمع صداه يتردّد في قلب الكنيسة، وقد أضفنا إليه نشيد الأرض وهي تستقبل ملكها الآتي إلى أورشليم ليخلّصها: "هوشعنا في الأعالي. مبارك الآتي باسم الربّ. هوشعنا في الأعالي" (يوحنا 12، 13).
الليترجيّا الإلهيّة تحملنا إلى السماء، إذ تفتح أمامنا البعد الإسخاتولوجيّ (الأجلي أو المعاديّ)، وتجعلنا نتذوّق مسبقًا ليترجيّا السماء، المحتفل بها في أورشليم الجديدة والتي نتوق إليها كمسافرين (المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الليترجيّا المقدّسة،8).
وهي أيضًا تحمل السماء إلينا وتُدخلها في حياتنا اليوميّة. فالكنيسة، أي الجماعة الإفخارستيّة، هي موضع الولادة الجديدة بالروح القدس. الولادة التي منحنا إيّاها السيّد المسيح بسرّ موته وقيامته. إنها جماعة الإنجيل والإفخارستيّا. إنّها جسد المسيح ومكان العنصرة، حيث يحلّ الروح القدس ويحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، كما يحوّل المؤمنين إلى مسحاء آخرين، ويحوّل الخليقة كلّها إلى هيكل لله الحيّ، يتردد في حناياه نشيد الحمد والشكر والتمجيد، "إذ إن الخليقة كلّها تئن وتتمخّص بانتظار الفداء" (روم 8، 22).
وهكذا تصبح الأرض سماء، وتصبح الحياة، في النظرة المسيحيّة، ليترجيّا إلهيّة كونيّة شاملة.
الإفخارستيّا منطلق الحياة الجديدة
خلق الله الإنسان ليُشركه في حبّه المجّاني. وإذا كان الإنسان قد تعثّر في مسيرة الحبّ هذه، فإن الله بقي وفيًّا وأمينًا في عهده حتّى الصليب والموت، اللذين حوّلهما بقدرته إلى قيامة وحياة جديدة.
إن الإفخارستيّا احتفال بهذا السرّ. وإشراكنا فيها يعني قبولنا أن يجدّدنا الله ويغيّر حياتنا. فنعبُر، مع المسيح القائم، إلى الحياة الجديدة، شاكرين له تدبيره الخلاصيّ.
إنّ الروح، الذي يجمع المحتفلين، يجعل منهم كنيسة (جماعة) منفتحة على محبة الله ومحبّة الآخرين، ويُحوّلهم إلى شركة (Koinonia) تبدأ الآن، على الأرض، وتكتمل في الملكوت السماويّ. فالإفخارستيّا، إذن، هي رمز الانتماء إلى المسيح القائم، ورباط وحدة الجماعة التي ترغب في تغيير وجه العالم، وتلتزم تهيئة اليوم الذي تستقبل فيه البشريّة المسيح الممجّد في المجيء الثاني (البعد الإسخاتولوجي)، وتهتف، مع جميع المخلّصين: "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل" (رؤيا 19، 9).
من مائدة الإفخارستيّا إلى مائدة الأخ الفقير
هذه الأبعاد الأساسيّة، التي نعيشها في الاحتفال الإفخارستيّ يحملها المسيحيّ في عمق حياته، فتنعكس على علاقته اليوميّة في بيئته: في البيت مع الأسرة، وفي الحيّ والمدرسة والجامعة والمهنة... مع أترابه وزملائه، ومع مرؤوسيه ورؤسائه... ومع كلّ من يلتقيه. فالمؤمن يخرج من الكنيسة مزوّدًا بالنعمة، فيكون "نهاره كاملاً ومقدّسًا، يرشده ملاك سلام، ليقضي حياته شاهدًا أمينًا ورسولاً غيورًا للإنجيل، ويحيا حياة مسيحيّة سلاميّة، تُعدّه للوقوف، بلا عيب، لدى منبر المسيح الرهيب" (طلبة السؤالات)، حيث يؤدّي الحساب عن الوزنات التي اؤتمن عليها (متى 25، 14-30).
فالإفخارستيّا لا تنتهي في الكنيسة عند انصراف المؤمنين. بل تبدأ إذ ذاك. فعندما يتّحد المؤمن بجسد المسيح ودمه، وينال روح الربّ، ينطلق مبشّرًا ومحرّرًا ومنيرًا (لوقا 4، 18-19). هذا ما أكّده الرسل في كتاباتهم: "إنّ الديانة الطاهرة الزكيّة في نظر الله هي افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم" (يعقوب 1، 27)، وهذا ما علّمه آباء الكنيسة القدّيسون. يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم (ق 4) بهذا الصدد: "سرّ القربان هو سرّ الأخ. والدينونة ستكون على مدى ربطنا بين سرّ المسيح الحاضر في القربان المقدّس وسرّه الحاضر في إخوته البشر" (متى 25، 31-46) ويُضيف نرساي السرياني (ق 5): "القداسة من غير أخيك الإنسان ليست قداسة. إذ لا يمكنك أن تدخل الملكوت وحدك".
ونختم، أخيرًا، بالسؤال الذي طرحه الذهبيّ الفم: "ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأواني ذهبيّة، إذا كان المسيح يموت جوعًا في أخيه الجائع؟ كيف تحترم المذبح الذي ينزل عليه جسدُ المسيح، وتبقى غير مبالٍ بالمسيح نفسه، المتجسّد في أخيك الإنسان الذي في الضيق، والذي يهلك جوعًا؟ إنّ هذا الهيكل لأكثر إجلالاً من ذلك".
في 17 من نيسان 1991 الأرشمندريت فؤاد الصائغ
أمين سرّ اللّجنة
كتاب الساعات (أو السواعيّة)
عودة إلى أول الصفحة
"كتاب الساعات" المعروف "بالسواعية"، تعريب اللفظة اليونانيّة "الأورولوجيون"، المؤلّفة من عبارة ساعةة ولوغوس، أي ما يتعلّق بالساعة.
"كتاب الساعات" يشتمل على الصلوات السبع في الكنيسة البيزنطيّة. لغته الأصليّة هي اليونانيّ. وجميع النصوص الكتابيّة هي من الترجمة السبعينيّة. أما الأجزاء الأخرى في "كتاب الساعات"، خاصّةً الأناشيد والطروباريات والقناديق والصلوات (أفاشين)، فهي من صناعة أورشليميّة-مَقدسيّة، وأنطاكيّة وقسطنطينيّة وكباذوكيّة وإيطاليّة.
الطبعات اليونانيّة
طُبعَ "كتاب الساعات" باليونانيّة لأوّل مرّة جزئيًّا في 25 آب 1509. ثم أُعيدَ طبعه مرة ثانية سنة 1523، وتُعتبر هذه الطبعة النسخة الرئيسة "لكتاب الساعات". وقد أعيد طبعها مرارًا حتى سنة 1832. وكان عنوان الكتاب أصلاً في طبعات البندقيّة للقرن الثامن عشر: "أورولوجيون. بعون الله. يحتوي على الخدمة الكاملة التي تتم في أديار أورشليم والأديار الأخرى الموقّرة".
وفي سنة 1832 أعاد الراهب برثلماوس الكوتلوموسي (1772-1852) النظر في الأورولوجيون ضابطًا النصوص الكتابيّة وفقًا لأحداث طبعات الكتاب المقدّس، ومصحّحًا الأخطاء اللغويّة اليونانيّة وبعض الصيغ العقائديّة الدخيلة، وما اعترى قرضَ الشعر من ضياع الوزن. وأضاف إلى التقويم نبذة تاريخيّة مختصرة لكل عيد.
نال هذا النص موافقة البطريرك القسطنطيني المسكونيّ قسطنطين الأول (1830-1834). وأصبح الطبعة الرسميّة للكنيسة اليونانيّة تحت هذا العنوان: "الأورولوجيون الكبير بموافقة البطريرك المسكوني وبركته. لخدمة المذابح المقدّسة والأديار والكنائس المحليّة. ويشتمل على الخِدَم الخاصة به حسب طقس كنيسة المسيح الشرقيّة". واختفت العبارة السابقة "الخدمة التي تتم في أديار أورشليم", وحلّت محلها عبارة "الأورولوجيون الكبير".
الطبعات العربيّة
من الطريف حقًا أنه في فترة طَبع كتاب الأورولوجيون باليونانيّة في مدينة البندقيّة (1509-1523)، أمر البابا لاون العاشر (1513-1521) بطبعه باللغة العربيّة في مدينة فانو الإيطاليّة سنة 1517. ويعتقد أنّ هذا الكتاب هو من النصوص العربيّة الأقدم عهدًا.
مكتبة دير القديسة كاترينة في جبل سيناء تحتوي على عدّة مخطوطات عربيّة لكتاب الأورولوجيون، ترتقي إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
في كنيستنا الروميّة الملكيّة قام ملاتيوس كرمة مطران حلب بترجمة الكتب الطقسيّة إلى العربيّة، لا سيّما وإن استعمال اللغة السريانيّة في صلواتنا الطقسيّة أخذ يتلاشى شيئًا فشيئًال، في أواخر القرن السادس عشر. وعندما ارتقى ملاتيوس إلى السدّة البطريركيّة الأنطاكيّة عام 1634، أرسل نسخة من الأورولوجيون العربيّ إلى البابا أوربانوس الثامن (1623-1644) ملتمسًا طبعها في رومة. ولا يزال المخطوط محفوظًا في مكتبة الفاتيكان (بورجيا-رقم 178) وعنوانه: "كتاب الأورولوجيون للصلوات السبع المفروضة في السبع الأوقات. أخرجه من الرومي (أعني اليوناني) بكدّ وتعب الحقير ملاتيوس مطران حلب".
لم يُطبع الكتاب في رومة بل في بوخارست (رومانيا) سنة 1702. وهذا عنوانه الكامل: "كتاب الأورولوجيون أي الصلوات المفروضة مع باقي الطقوس المفروضة في مدار السنة. قد طبع الآن حديثًا في اللغة اليونانيّة والعربيّة بالتماس ومشارفة الأب الطوباني كير أثناسيوس البطريرك الأنطاكي... في بوكارشت سنة 1702 مسيحيّة".
بعد هذه الطبعة عكفت مطبعة الرهبان الحناويين (الشويريين)، ألتي أسسها الشماس عبد الله الزاخر (+1748) على طبع الكتاب مرارًا، نذكر منها السنوات 1787، 1852، 1879. وهذا عنوانه: "كتاب الأورولوجيون أي السواعي. ويشتمل على صلوات الفرض القانوني وطروباريات أعياد القديسين وقناديقهم على مدار السنة..."
كانت الطبعة الشويرية كثيفة صعبة النقل خارج الكنيسة. فقام المطران إغناطيوس معقّد بإصدار الكتاب بحجم صغير، وأعاد طبعه مرّتين. وزاد عليه القفراءات الكتابيّة والنبوءات. الطبعة الأولى 1883 والثانية 1890. وأصبحت هذه الطبعة نموذجًا لطبعات لاحقة قام بها المطران بولس مراد سنة 1905 وخليل بدوي سنة 1911 والأب أثناسيوس وغبغب سنة 1916 (؟).
ثمّ سُلِمت السواعية إلى عناية المرسلين البولسيين فأصدرت ثلاث طبعات الأولى سنة 1928 والثانية 1951 والثالثة سنة 1985.
هكذا نصل إلى طبعة سنة 1997 "لكتاب الساعات"، وهو القسم الأول من "كتاب الصلوات الطقسيّة" في أربعة مجلّدات. وهذا عنوانه الكامل: "كتاب الساعات" (أورواوجيون) المعروف بالسواعية.؟ يشتمل عفلى الصلوات اليوميّة النهاريّة والليليّة وملحقاتها". وقد أصدرته اللجنة الليترجيّة البطريركيّة.
كتاب الساعات: الإطار للكتب الطقسيّة
تؤلّف الكتب الطقسيّة مكتبة قائمة بذاتها. وأهمها كتاب الخمسيني (البنديكستاريون) وكتاب المعزّي (الاكتوئيخوس) وكتاب زمن الصوم (التريوذيون) وكتاب خدمة الأشهر (الميناون) وكتاب المراسم الطقسيّة (تيبيكون). والافخولوجيون الكبير والصغير.
كتاب المراسم هو الدليل لاستعمال نصوص الكتب الطقسيّة على مدار السنة. أما "كتاب الساعات"، أو كتاب الصلوات السّبع، النهاريّة والليليّة، فيؤلّف الإطار الكبير للكتب الطقسيّة المذكورة أعلاه. فكتاب الساعات يُحيل المصلّي باستمرار إلى هذه الكتب. وعلى المصلّي أن يترك "كتاب الساعات"، وينتقل إلى نشيد العيد، أو إلى القانون، أو قطع الغروب والسّحر، وقطع الصوم والخمسيني أو المعزي وخدمة الأشهر، ومن ثمّ يعود إلى "كتاب الساعات"...وهكذا دواليك.
ولهذا نعتقد أنّ "كتاب الساعات" (السواعية) لا يصحّ أن يعتبر كتابًا كافيًا للصلاة بمعزلٍ عن الكتب الطقسيّة الأخرى. وعادة الاكتفاء به قد تكون من الأسباب الرئيسة التي حملت البعض على اختصار "صلاة الفرض" أو إهمالها، بحجة رتابتها وعدم تنوّعها.
عَمَدَ الكثيرون إلى الجمع بين "كتاب الساعات" (السواعيّة) وباقي الكتب الطقسيّة في المكتبة الليترجيّة، فكان "الأنثولوجيّون" وقد ظهر بحلل مختلفة على كرّ السنين. وما "كتاب الصلوات الطقسيّة" (في أربعة مجلدات) الا أحداث محاولة قامت بها اللجنة الليتر جيّة البطريركيّة بين الأعوام 19930-1998، لتحقيق هذه الامنية.
كتاب الساعات: سبيل الصلاة الدائمة
"سبع مرّاتٍ في النهار سبحتُك على أحكام عدلك" (مز 118: 164) عملاً بهذه الآية وضع الآباء القديسون الساعات السبع أو المواعيد السبعة للصلاة. وهي فسحات نعيش من خلالها أحداث الخلاص وسرّ المسيح.
بذلك نحقق مطلب الصلاة الدائمة حسب تعليم الإنجيل (لوقا 11: 5و 4: 10- 18) وتعليم بولس الرسول (1تس 5: 17) "وهكذا نعيش في جو الصلاة ونجمع الصلاة إلى العمل والعمل إلى الصلاة. وهذا يعني أن الحياة كلها يجب أن تكون صلاة متواصلة. وما نسميه صلاةً (أي الصلوات السبع) ليس إلا جزءًا منها" (القديس باسيليوس. العظة الجهاديّة، 3. مجموعة الآباء اليونانيين 31: 877)
وهذا ما يقوله المعلم أوريجنس: "يصلّي دائمًا من يقرن الصلاة بالعمل الضروريّ والعمل الضروري بالصلاة. تلك هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن معها تأمين إتمام الوصيّة الآمرة بالصلاة دون انقطاع. وبهذا تصبح حياة البار صلاة كبرى. وما اعتدنا أن نسميه صلاة يصبح جزءًا منها". (في الصلاة 12. مجموعة الآباء اليونانيين 11: 45).
وضعنا في مطلع كل صلاة من الصلوات السبع شرحًا موجزًا عنها.
تقديس الزمن
يعتبرُ "كتاب الساعات" النهار والليل معًا وعشرين ساعة. لكن طول الليل والنهار في تبدُّل دائم. لهذا حرص كتاب خدمة الأشهر (الميناون) على تعيين ذلك في مطلع كل شهر. وحرص المسؤولون عن المجتمعات الرهبانيّة القديمة على توقيت الصباح والغروب وفقًا لساعة شروق الشمس وغروبها الطبيعيين، دون أي اعتبار للساعة الحقيقيّة.
يبدأ الصباح مع الساعة الأولى ضمن هذا التنظيم. ويكون الغروب مع الشمس. أما كتبنا الطقسيّة (خدمة الأشهر وزمن الصوم والزمن الخمسيني والمعزي) فتتبع الطريقة اليهودية في ضبط الزمن. وهكذا يبدأ اليوم الليترجي مع صلاة الغروب وينتهي عندها.
إن معنى التعابير الزمنية (مثل السنة والشهر والأسبوع والنهار واليوم والليل والدهر والآن...) التي تتكرّر في صلواتنا الطقسيّة يتعدّى حرفها. فهي كلها في علاقة وثيقة مع مجيء المسيح الثاني. وذلك أنّ المسيح يقدس الزمن والوقت والأبدية. "فهو هو أمسِ واليوم وإلى الدهور" (عب 13: 8). الأوقات والأزمنة وضعها الآب في سلطانه الخاص. لكن الإنسان يعيش سر المسيح وينال الخلاص في الزمن. و "كتاب الساعات" هو دليلنا إلى تاريخ الخلاص.
اللجنة الليترجيّة البطريركيّة.
كتاب المُعزّي (الأكتوئيخوس)
عودة إلى أول الصفحة
"كتاب الألحان الثمانية" أو "كتاب الابتهال". أمّا اسمه الشائع شعبيأ فهو "المعزّي"، مع أن الطابع الغالب عليه هو الاستعطاف لا التعزية.
محتوياته: إن تلاوة كتاب المعزي "ذي الألحان الثمانية" تستغرق فعلاً ثمانية أسابيع، وتكرّر مع دورة الألحان البيزنطيّة الجميلة على مدار السنة. فالكتاب هو إذًا من الخصائص المميّزة للطقس البيزنطيّ، إذ إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالألحان الثمانية شعريًّا وموميقيًا. كما أنه أصلاً مؤلّف بالشعر الموزون وفق قواعد القريض اليوناني.
الأناشيد الطقسيّة الشعريّة تشكّل موسوعة ضخمة ترجع إلى حقبٍ مختلفة، ويرقى أقدمها إلى القرن الخامس والسادس. وهي من إبداع القديس رومانس المنشد (+556) الذي اشتهر بوضع القطع الشعرية المعروفة باسم "القنداق" و"البيت"، ولعل نشيد "المدائح" (الأكاثستس) من وضعه أيضًا.
مؤلّفوه: ترتقي تسمية الكتاب بأكتوئيخُس (الألحان الثمانية) الى القرن التاسع. غير أن استعمالها لم يَعُمَّ إلا منذ القرن الثاني عشر. وكان أوّل ما وُضِعَ خدمة القيامة بالألحان الثمانية. وهي تُنسب في غالبيّتها إلى القديس يوحنا الدمشقي (+ 749). ثم تطوّر الكتاب تدريجيًّا فأضحى يشمل باقي الخِدم التي تُغطّي ثمانية أسابيع وتتناول التذكارات المخصّصة لكل يوم من أيام الأسبوع . فلا عجب، والحالة هذه، أن يكون ناظمو الصلوات الواردة في المعزّي كثيرين، وفي طليعتهم- كما قدّمنا- يوحنا الدمشقي الذي تُنسب اليه قوانين القيامة. أمّا قوانين الصليب ليوم الأحد- التي أسقطت في ما بعد- فهي من نظم القديس قُزما المنشئ (+760) رفيق القديس يوحنا الدمشقي، وقد نسك معه في دير القديس سابا، الذي يقع شرقي بيت المقدس، ثم أصبح أسقفًا على مدينة مايوما في لواء غزّة. وأمّا قوانين السّحَر لأيّام الأسبوع فهي من نظم "إيوسيف" أي القدّيس يوسف المنشئ (+ 883) الذي أ لّف جزءًا كبيرًا من خدمة الأشهر (الميناون). وأسهم أيضًا في تأليف هذه القوانين القديس ثيوفانيس المنشئ الذي يُدعى أيضًا المرنّم (+ 845) وهو من الكرك (الأردن حاليًا) ومن رهبان دير القدّيس سابا الآنف الذكر. وأما القوانين الثالوثيّة، أي المختصّة بتمجيد الثالوث القدّوس، والتي تُتلى في صلاة نصف الليل فهي من تأليف متروفانيس وثيوفانيس.
أناشيد المراقي تُعزى الى القديس ثيوذورُس المعترف الاستودي (+ 826) الذي يُنسب إليه أيضًا بعض القوانين. أما أناشيد الإرسال فهي، كما يرجَّح، من وضع الإمبواطور قسطنطين السابع المولود في البرفير (913-959). كما يُقال إن أناشيد القيامة التي تُرنّم في ختام صلاة السّحر هي من وضع الإمبواطور لاون
السادس الحكيم (818-913) والد الإمبراطور المذكور.
طبعات المعزّي
مخطوطات المعزّي كثيرة متشعبة ونصوصها لا تخلو من الاختلاف بحُكم التأثيرات المحلية وبعامل طُرُق استعمالها في الأديار والكاتدرائيات. صدرت الطبعة اليونانية الأولى في مدينة البندقية (إيطاليا) عام 1521،
ونشر دير غروتّا – فرّاتا، الإيطالي-اليوناني (القائم على مقربة من رومة)، طبعة علمية عام 1738. ثم ظهرت طبعة أخرى في البندقيّة عام 1897 وتبعتها طبعة في أثينا عام 1899. أما الطبعة اليونانية المعتمدة في ما تولّته كنيستنا من ترجمات، فصدرت في رومة سنة 1855. أمّا باللغة العربية فأصدرت مطبعة القبر المقدس في القدس الشريف أوّل طبعة عام 1908.
النص الحالي
قامت اللجنة الليترجيّة السينودسيّة لكنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة بترجمة جزء كبير من المعزّي في الستينات مع بعض الاختصارات: فاكتفت بثلاث قطع في الغروب بدل ست في الأصل اليوناني. كما اكتفت بالتسبحة التاسعة من القانون.
واعتمدت اللجنة الليترجيّة البطريركيّة الحالية أعمال اللجنة السابقة وأجرت بعض التنقيحات حيث دعت الحاجة. وأثبتت القوانين الشعريّة كلها في صلاة السّحر كما عرّبها الأب إفتيموس سكاف المخلصي. ولكنها اختصرت قطع كل تسبحة، فأصبحت ستًا بدل ثماني قطع أو عشر.
روحانيّة المعزّي
كتاب "الألحان الثمانية" هو أساس البنية الطقسيّة البيزنطيّة. إنه كتاب تقديس الأسبوع: فهو يؤلّف الدور الأسبوعي الذي يبدأ بالأحد وينتهي بالسبت ولكنّه مرتبط بالأحد، من هنا الرقم ثمانية. والعبارة اليوم الثامن، بالرغم من أنّه لا يوجد إلاّ سبعة أيام في العدد؛ يوم الرب، يوم القيامة، الفصح الأسبوعيّ الصغير.
فيوم الاثنين مكرّس لتكريم الملائكة. يذكّرنا هذا اليوم بالله الخالق كل شيء، بحراسة الملائكة للبشر وبدورهم في بشارة العذراء وفي التدبير الخلاصي عمومًا.
ويوم الثلاثاء مكرّس لتكريم يوحنا المعمدان "سابق الرب وصابغه". فيوحنا يمهّد الطريق لقدوم المخلّص وتجسّده. إنه نذير التوبة. الذي يُعِدّ طريق الرب والخلاص.
يوم الأربعاء يذكرنا بالمؤامرة على السيد المسيح. إنه مقدمة الآلام، ومكرّس لمريم والدة الإله وللصليب المكرّم.
يوم الخميس مكرّس لتكريم الرسل وخلفائهم الأساقفة القدّيسين، وينوب عنهم القديس الشعبي، الأسقف نيقولاوس. كما يذكرنا هذا اليوم بسرّ الافخارستيّا والعشاء السرّي والكهنوت والرسالة الكهنوتيّة التي تحمل بشرى الخلاص إلى المسكونة بأسرها، لأن الكنيسة رسوليّة وجامعة ومؤتمنة عل&