دراسات
دراسات ليتورجيّة
الأسرار المقدّسة وشرح الرموز الطقسيّة للمطران لطفي لحام (البطريرك غريغوريوس)
من استراحة اليوم السابع إلى أبديّة اليوم الثامن للأب الياس شتوي
الأسرار المقدّسة وشرح الرموز الطقسيّة للمطران لطفي لحّام
(البطريرك غريغوريوس)
الأسرار المقدّسة
عودة الى أول الصفحة
نكتفي بإشارة مقتضبة إلى هذه الأسرار التي هي تعبير عن سرّ المسيح الخلاصي الكبير، وعربون اشتراك المؤمن به. وهي ترافق حياة المسيحيّ من المهد الى اللحد وطيلة حياته.
ونشدد في هذه الشروحات على النواحي العمليّة والطقسيّة وعلى الرموز المرافقة للاحتفال بها.
سرّ المعموديّة
عودة الى أول الصفحة
مقدّمة المعموديّة
1- الصلاة على المرأة النفساء بعد ولادتها.
2- صلاة لختم الطفل وتسميته في اليوم الثامن لميلاده.
عادة تقال هذه الصلوات معًا بعد عودة المرأة من المستشفى الى البيت. وعلى الأهل أن يخبروا كاهن الرعيّة حالاً بولادة الطفل.
3- صلاة لإدخال المرأة النفساء وولدها الى الكنيسة في اليوم الأربعين.
هذا الحدث يذكّر بدخول السيّد المسيح الطفل الى الهيكل أربعين يومًا بعد ميلاده.
هذه الصلوات والحفلات هي استعداديّة لسرّ المعموديّة المقدسّة.
أسرار المدخل
هي أسرار المعموديّة والميرون والإفخارستيا وتسمّى هكذا لأنها تُدخل المعتمد الجديد في سرّ المسيح وفي جماعة المؤمنين في الكنيسة فيصير عضوًا فيها كامل الحقوق.
ولهذا السبب تُمنح هذه الأسرار معًا وفي يوم واحد في الكنيسة الشرقيّة. هذا تقليد الكنيسة القديم لعماد الكبار والصغار والقادمين من الوثنيّة، وبقي في الكنيسة اليوم في عماد الصغار. فالمعموديّة هي المدخل الى الإيمان المسيحيّ. والميرون المقدّس هو موهبة الروح القدس وختمه وختم المعموديّة المقدسة. والمناولة المقدسة هي الغذاء الأساسيّ الروحيّ لكل أعضاء الكنيسة المؤمنين. ولذا فالطفل الصغير أيضًا أصبح أهلاً لها بالمعموديّة والميرون المقدّسَين، وأصبح من حقه ومن واجبه الاشتراك في هذه الوليمة الروحيّة المقدّسة.
هذا ومن المعلوم تاريخيًّا أن عادة إعطاء أسرار المدخل الثلاثة معًا بقيت جارية شرقًا وغربًا حتى القرن الثالث عشر.
ولذا فإن عادة المناولة الاولى هي غريبة عن تقليد الكنيسة الشرقيّة، إذ تصير المناولة الأولى يوم المعموديّة المقدّسة. ولذا يجوز أن تُعطى المناولة للأطفال الصغار شريطة أن يرافقهم أهلهم ويعدّونهم بالطريقة المناسبة لعمرهم للاشتراك بوليمة الافخارستيّة المقدّسة.
وإذا أردنا أن نعمل حفلة للأولاد لدى بلوغهم سنّ الرشد(7 وما فوق)، فيمكن أن يقام لهم عيد مناولة احتفاليّة بعد إعطائهم تثقيفًا روحيًا وطقسيًا وإيمانيًا مكثفًا مناسبًا لعمرهم.
شرح رموز أسرار المدخل
إن الأسرار المقدّسة وضعها السيّد المسيح، وهي علامات حسيّة للنعمة الروحيّة. ولا بدّ من فهم رموزها ومعانيها.
سر المعموديّة المقدّسة
1- عماد البالغين والأطفال.
الإنسان بالغًا كان أم طفلاً مدعوّ الى قبول نعمة الله المجانيّة والمعموديّة المقدّسة التي هي باب الحياة في المسيح. وتعمّد الكنيسة الأطفال مرتكزة الى إيمان أهلهم.
2- قبول الموعوظين
الموعوظون هم الذين يستعدّون للمعموديّة المقدّسة بسماع الوعظ والإرشاد. الصلاة الحاليّة هي استقبال المعتمد وختمه بإشارة الصليب العلامة المميّزة للمسيحيّ.
3- وضع اليد على الرأس
تقليد كنسيّ قديم يرمز الى نعمة الله التي تحلّ على الإنسان.
4-النفخ على المعتمد
علامة ترمز الى الحياة الجديدة. كما ورد في سفر التكوين:"ونفخ الله في أنف الإنسان نسمة حياة فصارالانسان نفسًا حية" (تكوين 2:7).
5-التقسيمات
هي صلاة حارّة الى الله لكي يُبعد الشّر وجذوره الأصليّة عن نفس المعتمد.
6-الاتجاه نحو الغرب والكفر بالشيطان
يقول القديس كيرلس الأورشليميّ (387) شارحًا ذلك:"من الضروريّ أن أقول لكم (للموعوظين) لماذا كنتم واقفين، متجهين نحو الغرب: الغرب هو منطقة الظلمة المرئيّة، والشيطان الذي هو ظلام يبسط سلطانه على الظلمات. ورمزًا الى ذلك اتجهتم بأنظاركم نحو الغرب، وأنتم تكفرون بذلك القائد المظلم الكئيب. قائلين: "أنا أكفر بك أيها الشيطان القاسي...ولا أبقى تحت نير العبودية" (العظة 19، رقم 4).
7-الاتجاه نحو الشرق
يشرح ذلك أيضًا كيرلس الأورشليميّ:"فأنت إذن عندما تكفر بالشيطان تدوس بقدميك كل ميثاق معه. وعندئذ ينفتح أمامك فردوس الله الذي "غرسه في عدن شرقًا" (تكوين 2 : 8) " وطرد منه أبونا الأول لعصيانه" (تكوين 3 : 23). ورمزًا "لذلك اتجهت من الغرب نحو الشرق الذي هو منطقة النور" (العظة19، رقم 9).
8- مواثيق وعهود
المعمودية عهد المسيح مع الانسان. جواب المعتمد هو قبول واضح علنيّ للمسيح في حياته: نعم أوافق المسيح!
9- العرّابون أو الأشابين
العرّاب أو الإشبين هو الذي يجيب باسم المعتمد الطفل. وعليه واجب المساهمة في تربية مسيحيّة صادقة. وهو وحده يتقبّل الطفل من جرن المعموديّة حالاً بعد العماد.
10- بركة ماء العماد
الماء هو مادة سرّ العماد وهو يرمز طبيعيًّا الى الحياة (الماء يخصب الأرض ويعطيها حياة جديدة) والى النقاء والفرح والانشراح. وهكذا المعمودية بواسطة الماء ترمز الى الحياة الجديدة والتنقية من وصمة الخطيئة الأصليّة وإلى السعادة الروحيّة.
صلوات تقديس الماء تشير الى نهر الأردن الذي تعمّد فيه المسيح، وبذا قدّس المياه بأسرها.
11- خلع الثياب القديمة وتعرية المعتمد
يشرح القديس كيرلس الأورشليمي رمز ذلك فيقول:
"حالما دخلتم خلعتم رداءكم، وكانت هذه صورة "لخلعكم الإنسان القديم مع كلّ أعماله" (كولوسي 3: 9). وإذا خلعتم ثيابكم أصبحتم عراة مقتدين بذلك بالمسيح الذي كان عاريًا على الصليب. فلم يعد من المسموح لكم أن تلبسوا هذا الرداء العتيق. إنكم ظهرتم عراةً أمام الجميع ولم تخجلوا لأنكم تمثّلون صورة الأب الأول آدم الذي كان عاريًا في الفردوس بدون أن يخجل" (تكوين 2: 25)، (العظة 20، رقم 2).
12- بركة الزيت والمسحة
يقول كيرلس الأورشليميّ: "ولمّا خلعتم ثيابكم مُسحتم من قمة رؤوسكم حتى أقدامكم بالزيت المعزّم. وأصبحتم شركاء في الزيتونة البستانيّة (رومة 11: 24) يسوع المسيح، إذ انتزعتم من الزيتونة البريّة وطُعّمتم في الزيتونة البستانيّة، وأصبحتم شركاء لها في خصب الزيتونة الحقيقيّة. فالزيت المعزّم كان يرمز الى المشاركة في خصب المسيح. ويتلقّى، باستدعاء اسم الله والصلاة، قوة التطهير فيحرق لا آثار الخطيئة فحسب، بل يطرد قوات الشرّ غير المنظورة" (العظة 20، رقم 3).
والزيت يستعمل في الطبّ الطبيعيّ العائليّ. والمصارعون قبل النزول الى حلبة المصارعة يدهنون أجسادهم بالزيت لتلين عضلاتهم وتسهل مقارعة خصمهم.
ومسح جسم الطفل بالزيت رمز الى "سلاح البرّ لتجديد النفس والجسد".
13- العماد بالتغطيس ثلاثًا
إنه يرمز الى الموت والدفن مع المسيح (تحت الماء) والى القيامة مع المسيح (فوق الماء). كما يرمز الى العبور (الفصح والقيامة) من الموت الى الحياة الجديدة ومن عبودية الشيطان والخطيئة الى حريّة أبناء الله. كما أن التغطيس ثلاثًا يرمز الى الثالوث الأقدس، إذ يقول الكاهن: "يُعمّد عبد الله (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس". كما يرمز الى موت المسيح وقيامته بعد ثلاثة أيام. فالمعموديّة مرتبطة بالقيامة. وعبارة معموديّة مشتقّة من "عمود" و"عمد" (بالسريانّية) وتعني قام وثبت وصمد وانتصب. ولذا كان يُحتفل دومًا بالمعموديّة المقدّسة في أثناء ليترجيّا القداس الإلهي، أو بالحريّ كان يُحتفل بالليترجيّا الإلهيّة بمناسبة المعمودية أو في إطار المعموديّة (وهذا ما نراه في الوثائق الليترجيّة القديمة، مثلاً في دفاع يوستينوس الفيلسوف المسيحي النابلسي من عام 150 م).
القديس كيرلس الأورشليميّ يشرح معنى العماد بالتغطيس
"واقتدتم بعد ذلك الى البركة المقدّسة للعماد الإلهي، كما حمل المسيح من الصليب حتى القبر الذي كان قريبًا (يوحنا 19: 41). وهو أمامكم. وسُئل كلٌّ منكم إن كان يؤمن بالآب والابن والروح القدس، فأدليتم بهذا الاعتراف الخلاصيّ. ثمّ غُطّستم في الماء ثلاث مرّات وخرجتم منه، ممثلين بذلك دفن المسيح الذي استغرق ثلاثة أيام. لأنه كما أن المخلّص بقي في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال (متى 12: 40)، كذلك أنتم خرجتم من الماء أول مرّة لكي تمثلوا اليوم الأول الذي قضاه المسيح في الأرض، وغُطّستم فيه لتمثّلوا الليل،... ولما خرجتم منه أصبحتم كمن هو في وضح النهار. وفي اللحظة ذاتها مُتم وولدتم، وأصبح هذا الماء الخلاصيّ لكم قبرًا وأمّا في وقتٍ واحد...وفي الوقت الذي متم كان ميلادكم" (العظة 20، رقم 4).
وهذا ما أعلنه بولس الرسول:"أوَ تجهلون أنّا، وقد اعتمدنا في يسوع المسيح، إنما اعتمدنا في موته، فدُفنّا معه في المعموديّة لنموت فنحيا" (رومة 6: 3-4).
14- إسم جديد
يقول كيرلس الأورشليمي: "وأنتم إذ قُبلتم بهذه المسحة المقدّسة دعيتم مسيحييّن، وميلادكم الثاني أيّد شرعيّة هذه التسمية" (العظة 21، رقم 5). ومن هنا العادة بأن يُعطى المعتمد اسم قديس رمزًا الى الولادة الجديدة، وإشارة الى الأسرة الروحيّة التي انضم إليها، وهي أسرة القديسين والشهداء.
15- ثياب جديدة
ترمز الى ثوب البرّ والقداسة والخلقيّة المسيحيّة الجديدة. "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم".
16- الشمعة
قال المسيح: "أنتم نور العالم". "وهكذا فليضئ نوركم قدّام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات" (متى 5: 14-15).
والى هذا ترمز الشموع يحملها الحاضرون المشتركون في المعموديّة والشمعة الخاصة المزيّنة التي يحملها العرّاب عن المعتمد الجديد.
سر الميرون المقدّس
عودة الى أول الصفحة
1-"الميرون"
كلمة يونانية تعني" العطر".
والميرون هو زيت ممزوج بعطر ومواد عطريّة كثيرة، يطبخها البطريرك، عند الحاجة، يوم خميس الأسرار العظيم ويوزّعها على الأساقفة، وهم يوزعونها على الكهنة.
الزيت والعطور والمواد العطريّة ترمز الى نفحة المسيح الطيّبة، كما يقول بولس الرسول: "أنتم نفحة المسيح الطيّبة" (2 كورنتوس 2: 15). كما ترمز العطور المتنوّعة الى تعدّد مواهب الروح القدس وتنوّعها في الكنيسة وفي خدمة شعب الله المؤمن (1 كورنتوس 12: "المواهب على أنواع، إلا أن الروح واحد").
2- ختم موهبة الروح القدس
هذا ما يقوله الكاهن عندما يثبّت الطفل واضعًا يده عليه وماسحًا إياه بالميرون المقدّس. وهذا يعني أن الميرون هو ختم المعموديّة وتثبيت نعمتها الروحيّة بحلول الروح القدس. ولهذا السبب أيضًا يُمنح سرّا المعموديّة والميرون (أو التثبيت) معًا.
3- المسحة على مختلف أعضاء الجسد
يمسح الكاهن المعتمد بالميرون المقدّس بشكل صليب على جبهته وعينيه ومنخريه وفمه وأذنيه وصدره ويديه ورجليه، قائلاً "ختم موهبة الروح القدس. آمين".
القديس كيرلس الأورشليميّ يشرح معنى هذه المسحة فيقول: "لقد مُسحتم أولاً على الجبين لتعفوا عن وصمة العار التي كان يحملها في كل مكان الإنسان العاصي، (إشارة الى قايين الذي قتل أخاه هبيل: تكوين 3: 7-10)، ولكي "تعكسوا بوجهكم المكشوف كأنه مرآة مجد الرب" (2 كور 2: 15). ثمّ في الأذنين، لتحصلوا على آذان تسمع الأسرار الإلاهيّة، وهي التي قال عنها أشعيا: "أعطاني الرب أذنًا للسمع" (5: 4)، والربّ يسوع في الإنجيل: "من كان له أذنان للسماع فليسمع" (متى 11: 15). ثمّ على المناخر، حتى عند قبولكم هذا الدهن يمكنكم القول: "إنّا، في سبيل الله، عبير المسيح للسائرين في طريق الخلاص".
بعد ذلك على الصدر، لكما، بعد أن تدرّعتم بالبرّ، تستطيعون مقاومة مكايد إبليس (أفسس 6: 14و11)، كما أن المخلّص، بعد عماده وحلول الروح القدس، خرج ليحارب العدوّ، كذلك أنتم، بعد العماد المقدّس والمسحة السريّة، وبعد أن تسلّحتم بسلاح الروح القدس، قاوموا قوة الشرّ وحاربوها قائلين: "إني أستطيع كلّ شيء بالمسيح الذي يقوّيني" (فيليبي 4: 13) (العظة 21، رقم 4).
4- الزيّاح
يُجرى زيّاح حافل للمعتمد الجديد في الكنيسة كلها، بالشموع والترانيم، يرافقه العرّابون والأشابين والأهل. ويترنّم الجميع بكلمات بولس الرسول: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم. هللويا".
الزياح رمز وعلامة تكريس الطفل المعتمد لله تعالى، والابتهاج بهذا الحدث العظيم، وبولادة عضو جديد في الكنيسة.
وينهي القديس كيرلس الأورشليمي تعليمه عن المعمودية والميرون المقدّس بهذا التحريض الجميل:
"احترسوا من تدنيس المسحة التي نلتموها، حافظوا عليها فتكون لكم ينبوع كلّ معرفة، فإنها للروح قوّة وللجسد قداسة وللنفس وسيلة خلاص. حافظوا على نقاء تلك المسحة المقدّسة، واعملوا على مرضاة المسيح يسوع مبدئ خلاصنا، الذي له المجد الى أبد الدهور. آمين" (العظة 21، رقم 7).
سر التوبة والاعتراف
عودة الى أول الصفحة
1. كل مرّة تشعر بضميرك مثقلاً بالخطيئة أذهب الى أب روحي واعترف أمامه لله الرحيم!
2. تُب واعترف خاصة قبل المناولة المقدّسة.
3. كلّ خطيئة مهما كانت، تحتاج الى توبة صادقة.
4. أنت بحاجة الى أب روحي ومعلّمِ اعتراف يساعدك على التوبة ويسمع اعترافك الصادق ويُرشدك الى مرضاة الله والسلوك في طريق القداسة المسيحيّة
5. الأفضل لذلك أن تمارس سرّ التوبة والاعتراف خارج القداس، فتقصد الكاهن أو الأب الروحي خصيصًا للاعتراف مرفقًا بالإرشاد الروحيّ.
6. التوبة والاعتراف سرّ الجماعة: فإنك أنت عضو في كنيسة نقول عنها في قانون الإيمان: "نؤمن بكنيسة مقدّسة".
7. والتوبة والاعتراف سرّ القداسة والجمال الروحيّ والكمال المسيحيّ. إلى هذا دعانا السيّد المسيح قائلاً: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ هو كامل" (متى 5: 47).
8. كن دومًا على اتصالٍ مع أب روحيّ يرافق مسيرة حياتك المسيحيّة. وكن معه صريحًا وبه واثقًا وله مطيعًا. إعترافك بخطئك وضعفك ليس ذلاً بل دليل نفسٍ تسعى الى الأفضل والى تجلّي الحياة المسيحيّة فيها.
سر الزواج المقدس
عودة الى أول الصفحة
الزواج عقد طبيعي بين رجل وامرأة. المسيح رفعه الى سرّ مقدّس بين المعتمدين.
الخطبة: هي مرحلة استعداديّة للزواج، يتعرّف فيها الخطيبان الواحد على الآخر. يلتقي الكاهن بالخطيبين مرارًا لكي يشرح لهما سموّ الزواج المقدس وواجباته وروحانيّاته.
المحابس والخواتم: رمز قديم للعهد بين الرجل والمرأة.
في الشرع الكنسيّ، ليست الخطبة نصف زواج كما تقول العامّة. وبركة الكاهن في الخطبة بركة روحيّة وليس لها أي مفعول قانونيّ.
تبادل الرضى: وفيه يتبادل الزوجان الرضى أمام الكاهن والشهود (الأشابين) والجماعة الكنسيّة الحاضرة.
رتبة صلوات الإكليل: تشتمل على الطلبات لأجل الزوجين والآيات المقدّسة من سفر التكوين وتلاوة الإنجيل المقدس، والتبريكات والتوجيهات الروحيّة التي يجب أن تسيّر حياة الزوجين.
الاكليل: يقول بولس الرّسول: الرجل إكليل المرأة والمرأة إكليل الرجل. والاكليل رمز للنضوج الروحيّ الذي وصل اليه الزوجان. لقد أصبحا أهلاً للحياة وللدعوة الروحيّة في الزواج. ولذا يكلّلان أمام الجماعة الكنسيّة كلّها. الإكليل رمز للسلطة الملكيّة. فالإنسان ملك على الخليقة. وإلى هذا يشير بولس الرسول في الرسالة الى العبرانيين (2،7) عندما يتكلم عن الإنسان ملك الخليقة قائلاً: بالمجد والكرامة كلّله وعلى أعمال يديه سلّطه"، وهي آية من المزمور 8: 5-7. وقد أصبحت النشيد الشعبيّ المشهور في حفلة الإكليل: "أيها الربُّ إلهنا، بالمجد والكرامة كلّلهما وعلى أعمال يديك سلّطهما".
سرّ الزواج وسرّ الكنيسة: يشرح لنا القديس بولس في رسالته إلى الأفسسيّين، واجبات الحياة الزوجيّة وسموّ دعوة الزوجين. ويعطي المثل الأسمى لعلاقة الرجل والمرأة من خلال سرّ المسيح والكنيسة: "أيها الرجال أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح أيضًا الكنيسة وبذل نفسه لأجلها" (5: 25).
الكأس المشتركة: إن صلوات حفلة الإكليل موزّعة على غرار رتبة القدّاس الإلهي. وكانت تقام قديمًا في أثناء الاحتفال بليترجيّا القداس. وقد بقيت الكأس المشتركة إشارة الى هذه العادة القديمة، والى المناولة التي كانت تُعطى للعروسين.
واليوم ترمز الكأس، بعد بركة الخمر دون تكريسه، الى الشِركة الكاملة بين العروسين. وتعطى أيضًا للأشابين.
زيّاح العروسين: إنها "زفّة" كنسيّة تعني فرح الجماعة وابتهاجها، وخاصّة تكريس العروسين لله في سرّالزواج المقدّس. وكما كانت الذبائح قديمًا تزيّح حول هيكل التقدمة قبل نحرها، هكذا يزيّح العروسان لأنهما تكرّسا للربّ، الواحد للآخر، في السرّ المقدس. وعلى رأسيهما أكاليل الرسل والشهداء.
سرّ الزواج يعني تأسيس أسرة مسيحيّة جديدة وكنيسة بيتيّة جديدة.
"أيها الربّ إلهنا، بالمجد والكرامة كلّلهما، وعلى أعمال يديك سلّطهما".
سرّ الكهنوت المقدّس
عودة الى أول الصفحة
لا مجال هنا لنتكلّم عن الكهنوت المقدّس. وإنما نريد أن نشير الى أنّ الكهنة هم من الشعب لخدمة الرب والشعب، في الكنيسة ومن خلالها. ولهذا فإنّ مسؤوليّة الخدمة في الكنيسة، وهي شعب الله بكل أعضائه، تقع على شعب الله كلّه. ولا تنبت وتنمو الدعوات الكهنوتيّة والرهبانيّة إلا في العائلات المسيحيّة.
لكن الكاهن يحتاج الى معاونين على درجات مختلفة. والخدم في الكنيسة أيضًا مختلفة، منها كهنوتيّة وتحمل وسم الكهنوت، ومنها لا يحمل وسم الكهنوت.
ولذا سنوجز هنا الخدمات الكهنوتيّة وسواها في الكنيسة المحليّة.
الدرجات الكهنوتيّة:
نجد في كتاب "الإفخولوجيون" الذي يحتوي على الصلوات لمختلف الظروف والأحوال، تعدادًا للدرجات الكهنوتيّة وهي:
1- القارئ والمرتّل في الكنيسة:
يمكن أن يكون راهبًا أو علمانيًّا. ويمكن أن تكون هذه الدرجة كمقدّمة لدرجة أخرى من رتب الكهنوت. كما يمكن أن تكون درجة قائمة بذاتها. تجري الرسامة في بدء القداس أو في صلاة الغروب. ولذا، يا حبّذا لو يرسم أكثر من قارئ ومرنّم للرعايا، يكونون ملتزمين شخصيًّا بتأمين القراءة والترنيم وإنعاش المشاركة في الصلوات والترانيم.
وهذا يعني ضرورة أنه يترتب عليهم أن يتابعوا بعض الدروس لكي يعرفوا كيف يستعملون الكتب الطقسيّة، وترتيب الطقوس والأعياد والحفلات وأصول الترنيم والبصلتيكا.
وهكذا تتألف في الرعايا فئة تساعد الكاهن في إنعاش ليترجيا القدّاس الإلهي والأسرار المقدّسة وباقي الطقوس الكنسيّة.
2- الشمّاس الرسائلي:
هذه الدرجة تحوّل صاحبها القراءة والترنيم في الكنيسة وقراءة الرسائل بخاصة، كما في الدرجة السابقة. ولكن صاحب هذه الدرجة يعتبر خادمًا مختصًّا في الكنيسة، ويقوم بخدمات أخرى لمساعدة المطران والكاهن في الليترجيّا.
إنها درجة مهمّة وفيها التزام كبير في خدمة الكنيسة والطقوس والأسرار المقدّسة، الى جانب الكاهن.
يمكن أن يكون للشماس الرسائليّ دور مهم في إنعاش الليترجيّا ومساعدة مختلف فئات الشعب في المشاركة الحيّة في الليترجيّا وباقي الصلوات...
هنا أيضًا لا بدّ من تهيئة روحيّة وفكريّة واجتماعيّة للمرشّحين لهذه الدرجة. تجري الرسامة قبل ابتداء ليترجيّا القداس.
3- الشماس الإنجيليّ:
تجري رسامة الشماس الإنجيليّ بعد نهاية الأنافورا أي قبل طلبة: "بعد أن ذكرنا جميع القديسين..." في ليترجيا القدّاس الإلهيّ.
يُدعى الشماس إنجيليًّا لأنه يحقّ له أن يقرأ الإنجيل ويرنّمه في ليترجيّا القداس الإلهي. كما يوزّع القربان المقدّس مع الكاهن.
هذا وإنّ دور الشماس الإنجيليّ في الليترجيّا الإلهيّة كبير جدًّا، كما نرى في الكتب الطقسيّة. وله دورٌ مهمٌّ أيضًا في صلاة الغروب والسحريّة وفي خدمة الأسرار المقدّسة. وهو دومًا الى جنب المطران أو الكاهن. وهو يدعو الى الصلاة ويرنّم أو يقرأ الليطانيّات أو الطلبات ويعطي التنبيهات الطقسيّة للشعب: فلنصغ!، أحنوا رؤوسكم للرب إلخ... كما يساعد في العماد المقدّس. ويمكن أن يوزّع المناولة المقدّسة تحت إشراف الكاهن.
على الشماس الإنجيليّ أن يختار العزوبيّة أو الزواج قبل الرسامة الشمّاسيّة، إذ لا يحقّ له أن يتزوّج بعد الرسامة. هذا القانون ينطبق كما هو معروف على الدرجات اللاحقة: الكهنوت والأسقفيّة.
درجة الشماس الإنجيلي قائمة بذاتها، وليست ضرورة مرتبطة بالكهنوت. ولا مانع أن يبقى الشماس شماسًا مدى الحياة.
4- الكاهن:
الرتب السابقة كلّها تسمّى "وضع يدّ" أو باليونانيّة "شرطونيّة". تصير رسامة الكاهن في الليترجيّا الإلهيّة بعد نقل القرابين أو دورة الشيروفيكون.
نحب أن نحرّض عائلاتنا المؤمنة لكي تشجع أبناءها على الدعوة الكهنوتيّة. كما نطلب من الكهنة أن يوجّهوا اهتمامهم الى اكتشاف الدعوات الكهنوتيّة والرهبانيّة (للشبّان والشابات) في العائلات وفي المدارس وفي منظّمات الشباب.
5- رتب كهنوتيّة أخرى:
توجد رتب كهنوتيّة كثيرة، تختلف حسب اختلاف الأعمال والوظائف الكنسيّة التي توكل الى الكاهن، فيمكن أن تكون ألقابًا فخريّة، أو وظائف يُسند بعضها الى علمانيّين وليس ضرورة الى كهنة. ونشير الى أن هذه الرتب والدرجات وهي لا توجد كاملة أو في أكثرها إلاّ في الدوائر الأسقفيّة أو البطريركيّة الكبرى. وإليك بعضًا منها:
أ- الأرشمندريت أو رئيس الدير. هذه الرتبة تعطى لرؤساء الأديار الكبرى من الرهبان. ولكن جرت العادة أن تُعطى للنائب الأسقفيّ العام ولكبار الكهنة وأصحاب الوظائف الكنسيّة.
ب- الإيكونوموس أو الوكيل، وتعطى هذه الرتبة لوكيل الأوقاف في الأبرشيّات. كما يعطى لقب إيكونوموس شرفيًّا.
ت- الإكسرخوس ينظر في الدعاوى على الكنيسة وهو عادة لقب فخريّ، يعطى لذوي الوظائف الإداريّة في الكنيسة.
ث- معلّم التعليم المسيحيّ وهو المولج من قبل الأسقف بتعليم الإيمان المقدّس للشعب في المدارس أو سواها.
ج- المعلّم (أو الديدسكالوس) وهو المولج من قبل الأسقف بشرح الإنجيل والمزامير. بكلمة أخرى هو الواعظ، ويمكن أن يكون علمانيًّا.
ح- البروتوبسالتيص: أو رئيس المرنّمين أو مدير الجوق أو الخورص. وبالطبع لا ضرورة أن يكون كاهنًا أو شمّاسًا.
6- المطران:
رئاسة الكهنوت هي قمّة الدرجات الكهنوتيّة كلّها. العبارات المستعملة للدرجة الأسقفيّة مختلفة باختلاف الكراسي الأسقفيّة أو الأبرشيّات.
أ- أسقف: مشتقّة من اليونانيّة وهو الاسم الخاص بالدرجة الأسقفيّة أو رئاسة الكهنوت. وعبارة أسقف تعني " المناظر أو المشرف بحدب وحبّ".
ب- متروبوليت أو مطران: مشتقّة من اليونانيّة. والمطران هو الأسقف في "مدينة- أم" أو "متروبول" أو عاصمة.
ت- رئيس الأساقفة: هو الأسقف في ولاية كنسيّة الذي له ولاية على أساقفة آخرين. في الواقع كثيرًا ما تكون هذه العبارات اليوم ألقابًا فخرية، دون ولاية فعليّة. ولكن هذه الألقاب كانت فعليّة في التاريخ القديم.
ث- تتم رسامة المطران قبل قراءة الرسائل والأناجيل.
7- البطريرك:
البطريرك هو الرئيس الأعلى في البطريركيّة وهو يؤلف، مع سينودسه (أو مجمعه) ومع كل الأساقفة التابعين لولاية البطريركيّة، السلطة العليا في الكنيسة المحليّة في البطريركيّة.
في كنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. كما يحمل لقبين إضافيّين شخصيّين وهما الاسكندريّة وأورشليم. عمليًّا تمتد ولايته الى كل الروم الملكيّين الكاثوليك في العالم. وهم حوالي خمس مئة ألف في البلاد العربيّة، وحوالي سبع مئة ألف في بلاد المهاجر، بحيث تعدّ كنيستنا حوالي مليون ومئتي ألف.
في كنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة الكراسي التالية:
1- الكرسيّ البطريركيّ الأنطاكيّ، ومركزه دمشق.
2- الكرسيّ البطريركيّ الاسكندريّ، ومركزه الاسكندرية والقاهرة. ويسوسه نائب بطريركيّ.
3- الكرسيّ البطريركيّ الأورشليميّ، ومركزه القدس، ويسوسه نائب بطريركيّ
4- أبرشيّات سوريا وهي: حلب- حمص وحماه ويبرود- اللاذقيّة- خبب وحوران (4 أبرشيات)
5- أبرشيات لبنان وهي: صور- بيروت- صيدا- مرجعيون- زحلة- بعلبك- طرابلس (7 أبرشيات)
6- الأردن، أبرشيّة عمّان (أبرشيّة واحدة).
7- فلسطين: عكّا وحيفا والناصرة والجليل (أبرشيّة واحدة).
8- المهجر: الولايات المتحدة الأميركيّة- كندا- البرازيل- أوستراليا- المكسيك- فنزويلاّ والمساعي مكثّفة لتأسيس أبرشيات أخرى في أميركا الجنوبيّة.
9- ممثّلون بطريركيّون: في فرنسا (باريس)، والعراق (بغداد)، والكويت.
ملحق: تكملة للفائدة نضع تحت هذا الباب لائحة بأسماء الرهبانيّات والمؤسسات الرهبانيّة للرجال والنساء، فهي سند الكنيسة ومنها يأتي العديد من خدّام الكنيسة ويهيّئون جيلاً واعيًا من العلمانيين الملتزمين في حياة الكنيسة.
الرجال
- الرهبنة الباسيليّة المخلصيّة (المخلصيون)تأسست سنة 1685
- الرهبنة الباسيليّة القانونيّة الشويريّة (الشويريّون)تأسست سنة 1710
- الرهبنة الباسيليّة القانونيّة الحلبيّة (الحلبيّون)تأسست سنة 1710
- الجمعيّة البولسيّة (البولسيون)تأسست سنة 1903
النساء
- الراهبات الباسيليّات المخلصيّات تأسست سنة 1733
- الراهبات الباسيليّات الشويريّات تأسست سنة1737
- الراهبات الباسيليّات الحلبيّات تأسست سنة1740
- راهبات المعونة الدائمة تأسست سنة 1946
- راهبات الخدمة الصالحة تأسست سنة 1950
لهذه الرهبانيات أديار ومراكز كثيرة.
أديار مستقلّة:
1- قي لبنان: دير القيامة (شبروح- فاريّا)
2- في القدس: دير رهبان الظهور (مار يوحنا في البريّة)
3- في بيت لحم: دير راهبات العمانوئيل
4- في الناصرة: دير راهبات البشارة.
الإكليريكيّات والمعاهد:
الكهنة والرهبان والراهبات هم سند الكنيسة. نطلب الى الله أن تنمو الدعوات الكهنوتيّة أو الرهبانيّة لخدمة شعب الله.
الإخوة المؤمنون من شبّان ورجال وسيّدات يمكنهم أن يلتحقوا بالحياة الكهنوتيّة أو الرهبانيّة والرسوليّة في الأبرشيّات وجمعيّات الرجال والنساء التي ذكرناها آنفًا.
ولهذا نضع هنا لائحة بالمعاهد الإكليريكيّة وبيوت التنشئة الموجودة في كنيسة الروم الملكييّن الكاثوليك:
1- المعهد الإكليريكيّ البطريركيّ في الربوة (لبنان)، ويضم طلاب كهنة من فلاسفة ولاهوتيّين لكلّ الأبرشيّات.
2- معاهد إكليريكيّة صغرى وكبرى تابعة لرهبانيّات الرجال.
3- معهد القديس بولس الإكليريكيّ: فيه يدرس طلاّب الكهنوت في معهد الربوة البطريركيّ، وطلاب الجمعيّة البولسيّة وسواهم.
4- إكليريكيّة باسيليوس الكبرى، للرهبان المخلصيّين في الولايات المتحدة الأميركية.
5- إكليريكية القديس غريغوريوس الكبرى في الولايات المتحدة.
6- إكليريكيّة صغرى في دمشق.
7- إكليريكيّة صغرى في بيت ساحور (فلسطين).
8- إكليريكيّة صغرى في الناصرة.
9- معهد المخلص الكهنوتي في بيت ساحور.
ندعو المؤمنين العلمانيّين أن يلتفّوا حول رعاتهم ويشتركوا بحبّ والتزام في حياة الرعيّة والأبرشيّة.
سرّالكهنوت (بدرجاته المختلفة حتى الأسقفيّة) هو سرّ الخدمة في الكنيسة: خدمة الكلمة والبشارة والوعظ والتعليم، خدمة الأسرار المقدسة والحياة الروحيّة، خدمة الجماعة في كلّ مرافق حياة المؤمنين دينيًّا وإجتماعيًّا.
ولكن لا قوام لخدمة الكاهن بدون مشاركة العلمانيّين وتعاونهم وتفاعلهم مع رعاتهم والتزامهم معهم خدمة الكنيسة.
ملحق: البركة والعشر
هناك وصيّة كنسيّة تعلمناها صغارًا في التعليم المسيحيّ وهي: "أوفِ البركة أو العشر". أعني في أصلها زكِّ العُشر من أموالك لخدمة الكنيسة وجماعة المؤمنين. إننا نحب أن يشعر المؤمنين بأهميّة هذه الوصيّة في كل أبعادها من الوجهة الماديّة: مساعدة الفقراء في الرعيّة. والروحيّة والاجتماعيّة: للشعور مع أبناء الرعيّة ومساعدتهم. والرعويّة: الالتزام بمختلف نشاطات الرعيّة من أخويات- دروس كتابيّة أو لاهوتيّة- شبيبة- مجلس رعوي- جوق- جمعيّات خيريّة- فرق صلاة الخ. الرعيّة من وراء الكاهن. ولكن الكاهن أيضًا من وراء الرعيّة.
سرّ مسحة المرضى
عودة الى أول الصفحة
يقول الرسول يعقوب في رسالته الجامعة (5: 14-15): "هل فيكم مريض؟ فليَدعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه، ويمسحوه بالزيت باسم الربّ. فإنّ صلاة الإيمان تخلّص المريض، والربّ ينهضه، وإن كان قد اقترف خطايا تُغفرُ له".
المسيح جاء يشفي كل مرض وكل ضعف. فهو الطبيب الشافي أمراض النفوس والأجساد. وقد أعطى تلاميذه نعمة الاشفية: "فقلّدهم سلطانًا لكي يطردوا الأرواح النجسة، ويشفوا كل مرض وكل سقم...قائلاً لهم: أشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهّروا البرص، أخرجوا الشياطين، مجّانًا أخذتم مجّانًا أعطوا" (متى10: 1-8).
ولهذا فالمؤمن الذي يقع في مرض جسديّ أو شدّة نفسيّة، فليستدع الكاهن لكي يصلّي عليه، ويمسحه بالزيت المقدّس.
هذا وإن سرّ المسحة المقدّسة يعطى لجميع المؤمنين يوم خميس الأسرار قبل الفصح المجيد، حيث يكرّس سبعة كهنة (إن وُجدوا) الزيت المقدس، أو زيت التائبين، ويدهنون به المؤمنين التائبين عن خطاياهم. وكأن هذه المسحة هي تهيئة المؤمن لكي يُدفن مع المسيح ومن ثمّ ينهض معه.
تتألف صلاة تكريس الزيت للمرضى التائبين من صلوات ومزامير وسبع رسائل وسبعة أناجيل وسبع صلوات وسبع طلبات.
في آخر الصلاة يوضع الإنجيل مفتوحًا على رأس التائب والتائبين، رمزًا الى قوّة الشفاء في إنجيل الربّ يسوع وفي يده.
ثم يتقدّم التائب وجميع الحضور، فيمسح الكاهن كلّ واحد منهم على جبينه قائلاً: "لشفاء النفس والجسد".
تصير بركة الزيت أيضًا في مساء الأعياد الكبرى (في صلاة الأغربنيا)، مع الخمر والقمح والخبز. ويُمسح الحاضرون كلّهم بالزيت المقدّس.
كما توجد عادة عريقة قديمة في بعض المناطق حيث يستدعي المؤمنون كاهن الرعيّة في مناسبة عيد أو مرض أو سفر أو عمليّة...ويصلّي على الزيت في البيت، ويدهن به جباه الحاضرين قائلاً أيضًا: "لشفاء النفس والجسد". وتسمّى هذه الصلاة "القنديل".
كل هذه العادات تدحض الاعتقاد الشعبيّ والخاطئ السائد بأن مسحة المرضى هي "المشحة الأخيرة"!
لاحظ عبارة المسحة: "لشفاء النفس والجسد". ذلك أن مرض النفس والجسد متّصلان. فالمهم هو ليس شفاء الجسد دون النفس ولا شفاء النفس دون الجسد، بل المهم هو شفاء الإنسان الكامل.
الرّقاد بالربّ وإكرام الموتى
عودة الى أول الصفحة
إن العبارة الطقسيّة والشعبيّة للموت هي الرقاد. وهذا ما قاله المسيح عن صديقه لعازر "لقد رقد. وكان يتكلم عن رقاد الموت" (يوحنا11: 11-14). القديس بولس يتكلم عن الموت والموتى. ولكن عبارة "الراقدين" هي العبارة التي لها علاقة بالقيامة: "وسيقيم الربّ الراقدين معه، ويقوم أولاً الأموات بالمسيح" (1 تسالونيكي 4: 16).
ونتكلّم أيضًا عن رقاد والدة الإله مريم (عيد 15 آب). ويُدعى بالعاميّة "رقاد السيّدة". ونتكلّم عن انتقال يوحنا الإنجيلي الرسول (عيده في 26 أيلول). ونتكلّم عن رقاد القدّيسين. وفي الصلوات نردد عبارة "الراقدين".
وفي اناشيد عيد رقاد السيّدة نردّد مرارًا: "في رقادك ما تركت العالم يا والدة الإله. فإنّك انتقلت الى الحياة بما أنّك أمّ الحياة". وننشد أيضًا: " إن اللحد صار سلّمًا الى السماء. والموت صار عربونًا للحياة".
هذا هو إيماننا المسيحيّ بالموت، والعبارات الطقسيّة في صلواتنا أروع برهان عليه. فنحن "أبناء القيامة". هذا كان أحد ألقاب المسيحيين الأولين خاصة في القدس. وإن أيقونة القيامة تظهر لنا ذلك بأجلى بيان: إذ نرى فيها المسيح القائم من بين الأموات، والذي وطئ الموت بالموت، يمدّ يده ممسّكًا بيد آدم وحواء، وهما يمثّلان البشريّة كلّها، وكأنه يقول لهما: لك أنت أيضًا قيامة. ويقول الكتاب: "قُم أيّها النائم! فيضئ لك المسيح" (أفسس 5: 14).
رتبة الجناز
1- الصلاة في البيت
عندما يرقد أحد أعضاء الأسرة يجب الإسراع في إعلام كاهن الرعيّة بالأمر، لكي يهيّئ المدفن في المقبرة وتجهز الكنيسة لصلاة الجناز، ولكي يأتي للصلاة في البيت على جثمان الراقد.
هذا ويجب تحديد ميعاد الدفن مع كاهن الرعيّة.
إعتاد الكثيرون من المسيحيّين المؤمنين أن يتناوبوا على الصلاة في البيت حول نعش الفقيد. فيترنّمون بالمزامير والصلوات ويقرأون فصولاً من الكتاب المقدّس.
يوضع بقرب النعش البخور والشموع مع إيقونة مريم العذراء أو إيقونة القيامة، رمزًا الى اشتراك الراقد بقيامة المسيح.
2- الزياح الى الكنيسة
يُنقل الراقد الى الكنيسة يتقدّمه الصليب والكاهن حاملاً المبخرة والمشاعل. بينما يترنّم الكاهن والشمامسة والمرنّمون والشعب بالمزمور الخمسين: "ارحمني يا الله..." وبنشيد" قدّوس الله، قدّوس القوي، قدّوس الذي لا يموت. ارحمنا".
3-الجناز في الكنيسة
إن بنية جنّاز الراقدين هي عينها بُنية رتبة جناز السيد المسيح يوم الجمعة العظيمة. إنها أناشيد ترافق الراقد المؤمن الى القيامة. كما يبخّر الجثمان مرارًا، وفي بعض أماكن يمسح بالزيت مما يذكّر بتضميخ جسم السيد المسيح بالعطور. كما يحمل الجميع أو على الأقل أهل الفقيد الراقد الشموع، علامة دخوله الى النهار الذي لامساء له.
وإذا أقيم الجناز في أسبوع الفصح أو في الزمن الفصحيّ فتكون أكثر الأناشيد للقيامة.
وفي آخر الصلاة يعطي الأهل والحاضرون جميعًا الراقد القبلة الأخيرة: فيتقدمون الى النعش المفتوح طيلة الصلاة، والمتجه نحو الشرق، فيقبّلون الإيقونة التي على صدره ثم يده أو وجهه، ذلك أنّ هذا الجسد قد تقدّس طيلة حياته بقبول الأسرار المقدّسة.
وعند القبر، تقام الصلاة الأخيرة ويراق الزيت مع رماد المبخرة على النعش، وكأن الكاهن بذلك يختم النعش، (مثلما فعل الرومان بجسد المسيح) بانتظار مجيء المسيح المجيد والقيامة المجيدة.
على هذا الرجاء يعود الأهل والأصدقاء الى البيت- كما تقول رتبة الجناز- شاكرين لله! إذ لا يجوز "ان نحزن كباقي الناس الذين لارجاء لهم"، كما يوصينا بولس الرسول (1 تسالونيكي 4: 13). فنحن أبناء القيامة. ونحن عبر الموت في مسيرةٍ نحو القيامة.
ذكرانيّات الموتى والصلاة لأجلهم
تقام ذكرانيّات الموتى في ليترجيا القدّاس الإلهي حيث يُطلب من الكاهن أن يصلّي لأجلهم ويذكرهم في تقدمة القرابين وفي زياحها.
كما تُقام صلاة "نياحة" خاصة تلي ليترجيّا القدّاس الإلهي. وذلك في اليوم الثالث والتاسع والأربعين للوفاة وفي ذكرى نصف السنة والسنة وفي ذكرى الموتى العام. وفي هذه الذكرانيات اعتاد المؤمنون أن يقدّموا القرابين لإقامة ليترجيا القدّاس وبعض النقود لمساعدة الكاهن والكنيسة والفقراء. وتقدّم أيضًا صينيّة من القمح المسلوق يسمّى "سليقة" أو "رحمة" توزّع على الحاضرين بعد الصلاة. ويوزّع القربان أيضًا والحلويات.
كما يزور المؤمنون قبور موتاهم في هذه التذكارات. وفي بعض الأحيان تقام الصلوات في المدافن.
تختلف الشروحات التي تشرح هذه العادات الشعبيّة.
فالقديس سمعان التسلونيكيّ (القرن الخامس عشر) يشرحها كما يلي: تقام الصلاة للميت في اليوم الثالث "لأن المتوفى المؤمن أخذ كيانه من الثالوث الأقدس". واليوم الثالث يذكّرنا بقيامة المسيح في االيوم الثالث. أما اليوم التاسع فيذكّرنا بطغمات الملائكة التسع، والمتوفى مدعوّ ليكون مثل الملائكة في تمجيد الله.
أما اليوم الأربعون فله أثر في العهد القديم حيث حدّ اليهود أربعين يومًا على موت موسى. ويذكّرنا بصعود المسيح الى السماء بعد أربعين يومًا من قيامته. وهذا اليوم يعني نهاية التطهير وكماله.
وأما ذكرى نصف السنة والسنة فقد أضيفا لاحقًا. ومن جهة أخرى فالكتب الطقسيّة تعطي شرحًا آخر لهذه التذكارات:
الثالث: في اليوم الثالث يتغيّر منظر الوجه.
التاسع: في اليوم التاسع تتمزّق الجبلة كلّها في القبر ويبقى وحده سالمًا.
الأربعون: في اليوم الأربعين يفنى القلب ذاته.
(ملاحظة: تكوين الجنين في بطن أمّه يصير بطريقة عكسيّة: ففي اليوم الثالث يتصوّر القلب، وفي اليوم التاسع يتجسّد الجسد، وفي اليوم الأربعين يرتسم الى منظر كامل).
ذكرى الأموات
وتقام ذكرى الأموات أيام السبوت على مدار السنة. ذلك أن السبت هو يوم الراحة وهو اليوم الذي رقد فيه المسيح "سابتًا في القبر". وهو مقدّمة الأحد ذكرى القيامة. وهذا يعني اشتراك الأموات بموت المسيح وقيامته. وهكذا فكما أن آحاد السنة كلّها مكرّسة لذكرى القيامة، فالسبوت كلّها على مدار السنة مكرّسة لذكرى الأموات (ولذكرى جميع القدّيسين للسبب عينه).
بالإضافة الى ذلك يوجد ذكرى خاصة للأموات في سبتين: هما سبت الأموات الواقع قبل أحد مرفع اللحم (وهو يقع 10 أيام قبل بدء الصوم المبارك)، والسبت قبل أحد العنصرة المجيدة.
في هذين السبتين تتمّ زيارة المدافن، حيث تُقام ليترجيّة القدّاس الإلهي- إذا أمكن- أو صلوات لأجل الراقدين. ويقدّم المؤمنون القرابين لأجل موتاهم ويطلبون من الكاهن أن يذكرهم بأسمائهم حسب لائحة يقدّمونها. كما تقدّم صينية قمح مسلوق، أو "سليقة".
كما يحسن زيارة المدافن في ذكرى وفاة موتانا. والبعض اعتادوا زيارة المدافن والموتى في أسبوع الفصح المجيد وفي الأعياد الكبرى الأخرى، وكأنهم يريدون أن يعايدوهم!
شرح الرّموز الطقسيّة
عودة الى أول الصفحة
توجد مجموعة من رموز وضعها السيّد المسيح، أو وضعتها الكنسية، لتذكير المؤمنين بالحقائق السماويّة أو للدلالة عليها. فإن الذهن البشريّ، ولاسيّما ذهن عامة الشعب، شديد التأثر بالرموز التي تشير، عن طريق العلامات الحسيّة، الى أمور تفوق إدراك الحواسّ. والطقوس الشرقيّة بنوع خاص غنيّة بالرموز أكثر من سواها.
للرمز عادةً منفعتان: منفعة خاصة مباشرة، لكونه وُضع لفائدة عمليّة خاصّة؛ ومنفعة رمزيّة غير مباشرة، لكونه يدلّ على شيء آخر يسمو عليه. فالشمعة مثلاً التي تضاء على المذبح المقدّس لها أولاً منفعتها المباشرة في إنارة المكالن، كسائر أدوات الإنارة، ولها أيضًا فائدة رمزيّة، لأنها تشير الى نور التعليم الإلهي والى النفس المؤمنة التي تضيء في العالم إلا إذا ذابت كالشمعة على هيكل الذبيحة.
غير أن لبعض الرموز منفعة رمزيّة فقط، إذ إنها وُضعت من أصلها للدلالة على الرموز له لا غير، كالرفرفة بالغطاء الكبير على القرابين في اثناء تلاوة قانون الإيمان: إنها وُضعت للدلالة على الزلزلة الأرضية التي رافقت موت المسيح على الصليب، لا لفائدة عملية خاصة.
والرموز والإشارات كثيرة في حياة الكنيسة وفي الاسرار، منها ما يلي:
الماء:
1- يكرّس يوم عيد الظهور (الغطاس) ويرشّ فتقدّس به المنازل يوم الغطاس وفي ظروف أخرى. ويستقي منه المؤمنون ويدهنون به.
2- ويُكرّس خصيصًا يوم العماد المقدّس. وهو شرط أساسي للعماد.
3- وهو ينضح ويزيل الأوساخ، ويرمز الى المسحة الروحيّة والطهارة والتخلّص من الخطيئة ويشير الى نقاوة الروح.
4- وهو يرمز الى عماد المسيح الذي حلّ عليه الروح القدس يوم العماد. ولذا فالماء إشارة الى الروح القدس (يوحنا 7: 39).
5- وهو عربون الولادة الجديدة بالماء والروح (يوحنا 3: 5).
6- وهو رمز الى أن المسيح بعماده قدّس المياه وعناصر الطبيعة كلها.
7- به يغسل الكاهن يديه قبل مباشرة الذبيحة الإلهيّة.
8- وكان ولا يزال للماء شأن كبير في الحياة الطقسيّة في كل الديانات (الوضوء- غسل الأواني والهياكل إلخ...).
الزيت:
1- يكرّس احتفاليًّا يوم خميس الأسرار في الطقس الشرقيّ ويُمسح به المؤمنون قبل المناولة الفصحيّة.
2- وهو رمز التكريس ويرمز الى الحياة الروحية، والى التوبة، والشفاء (النفس والجسد) وغنى النعمة الداخليّة، والى القوّة في النضال الروحيّ ضد الخطيئة...والمرونة والطيبة والى ثمار الروح القدس: "اللطف وطول الأناة والمحبة والفرح والسلام والوداعة والعفاف...:" (الرسالة إلى أهل غلاطية 5: 22-25).
3- يدخل الزيت في مادة الأسرار وأشباهها (التكريسات والتقديسات) هكذا: مع ماء العماد- في العماد (المسحة بالزيت)- في "طبخة" الميرون المقدس، في مسحة الكهنة، في مسحة المرضى والتائبين (ويسمّى زيت التائبين)، في المسحة الأخيرة، وفي رتبة جناز الموتى...وفي تكريس المنازل والهياكل والكنائس والأيقونات الجديدة الخ...
4- وهو باعث النور وتضاء منه القناديل الكثيرة في الكنيسة....
5- وهو رمز الى أعمال الفضائل التي تهيّئنا لاستقبال المسيح مثل العذارى الحكيمات...
الخبز:
1- هو الرمز الطبيعيّ لسرّ الإفخارستيّا، كما أراده المسيح متكلّمًا عن خبز الحياة والخبز النازل من السماء (يوحنا 6، وما رواه الانجيليون عن العشاء السرّي).
2- وهو رمز نعمة الله: أعطنا خبزنا كفاف يومنا. وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
3- وهو رمز المشاركة، ولذا تسمّى المناولة باللغات اليونانيّة واللاتينيّة والأوروبيّة "شركة" (عبارة تناول ومناولة بالعربيّ أضعف تعبيرًا).
4- ويستعمل في إفخارستيّا ذبيحة القدّاس.
5- كما يكرّس في صلاة الغروب والأغربنيّة ويؤكل كعلامة للشركة في حفلات أو ولائم الأغابي أو المحبّة.
6- ويقدّم في ذكرالأموات (بهيئة قمح أيضًا ويسمّى رحمة أو سليقة).
7- ويوزّع بركة في آخر القدّاس. (ويدعى "انديدورون).
8- ويؤكل بهيئة قمح مسلوق في عيد القديسة بربارة (4 كانون الأول) والسبت الأول من الصوم. وهو يرمز الى الحياة والقيامة. حبّة الحنطة إن لم تمت بقيت وحدها.
9- وهو علامة الصداقة بين الناس: "بيننا خبز وملح!"، نتقاسم الخبز والملح.
الخمر:
1- هو الرمز الطبيعيّ الثاني لسرّ الإفخارستيّا حسب إرادة السيّد المسيح في العشاء السرّي.
2- وهو رمز الفرح: "الخمر يفرّح قلب الإنسان" (المزمور 103).
3- ويكرّس رمزيًّا يوم عيد التجلّي (6 آب) بتكريس بواكير العنب.
4- تعطى كأس الخمر المشتركة للعروسين يوم الإكليل.
5- يكرّس ويبارك في صلاة الغروب في الطقس الشرقيّ مع القمح والخبز والزيت. (الأغربنيّة).
6- يرمز الى المحبّة والحياة الروحيّة والتأمل والارتواء الروحيّ السرّي.
وضع الأيدي:
1- رمز طبيعيّ للتكريس والمسحة السريّة والوسم السرّي الذي يعطى في بعض الأسرار، خاصةً العماد والتثبيت والكهنوت.
2- يُستعمل رمزُ وضع الأيدي في العماد والتثبيت والكهنوت بمختلف درجاته وفي كل الطقوس.
3- كما يُستعمل في البركات والتكريسات والصلوات في حالات المرض وبركة الأشخاص...(يطلب الناس من الكاهن أن يضع يده عليهم).
4- واليد هي علامة الشفاء (راجع الإنجيل وأعمال الرسل والنصوص الطقسيّة).
5- واليد رمز المصالحة والمصافحة والصداقة والتعاون والسلام والمحبّة.
الإقرار
وهو التعبير الخارجيّ عن التوبة الداخليّة في سرّ التوبة.
قرع الصدر:
رمز للتوبة والندامة.
النعم (أو آمين)
1- عبارة تعني قبول السرّ، الموافقة على المسيح.
2- وتستعمل في المعموديّة المقدّسة، وفي سرّ الزواج المقدس وفي النذر الرهبانيّ. (هكذا "نعم" مريم والرسل عندما قبلوا دعوة يسوع).
3- تتردّد تكرارًا في آخر الصلوات وأجزائها.
قبلة السلام:
1- وهي عبارة المصالحة والمسالمة في الليترجيّا الإلهيّة، وهي استعداد لسرّ الإفخارستيّا.
2- يتبادلها المؤمنون في القداس، قبل "نؤمن" في الطقس البيزنطي (لكن العادة بطلت عمومًا).
3- وتقوم بشدّ اليد أو بقبلة الكتف.
رفع الأيدي:
1- رمز الصلاة والابتهال: "ليكن رفع يديّ ذبيحة مسائيّة".
2- رمز الاتحاد بالله: "لنرفع قلوبنا الى العلاء".
البخور:
1- رمز الصلاة: "لترتفع صلاتي كالبخور أمامك" (مزمور 142).
2- رمز العبادة والسجود.
3- رمز التقديس والتكريس: يبخَّر الشيء المقدّس: الخبز والخمر والزيت والهيكل والإيقونات الخ.
4- رمز الاحترام: يُبخَّر الأشخاص المصلّون.
5- رمز رائحة المسيح: "أنتم رائحة المسيح الطيّبة" (2 كور 2: 15).
6- المبخرة ترمز الى مريم العذراء. والنار داخلها الى نار اللاهوت الذي حلَّ في مريم دون أن يحرقها.
7- للمبخرة إثنا عشر جرسًا ترمز الى أصوات الإثني عشر رسولاً الكارزين بالمسيح. (في كلّ الأرض ذاع منطقهم والى أقاصي المسكونة كلامهم).
النور والشموع:
1- رمز المسيح: "أنا نور العالم"!
2- رمز يوحنا السابق للمسيح، في زيّاح الإنجيل في الطقس البيزنطيّ.
3- رمز الحضور الإلهي.
4- رمز استعدادنا لمجيء المسيح الثاني!
5- رمز التكريس والنذر والتقدمة (الشموع التي تضاء أمام الايقونات).
6- شمعات المطران: المثلث (تريكاري) ويرمز الى الثالوث الأقدس ووحدانيّة الله، والمثنّى (ذيكاري): ويرمز الى أن المسيح إله كامل وإنسان كامل وهو واحد بطبيعتين إلهيّة وإنسانيّة.
إشارة الصليب
1- رموزها تختلف باختلاف طريقة رسمها.
2- لاحِظ رمزها في الطقس البيزنطيّ: الثالوث الأقدس والوحدة في الله والطبيعتان في شخص المسيح الواحد.
السمكة
على ثياب الكهنة والشمامسة أو ستائر الهيكل الخ ترمز في أحرفها اليونانية IXOYE الى هذه الكلمات: يسوع المسيح ابن الله المخلص.
السنابل:
على ثياب الكهنة والشمامسة أو على الستائر والشبابيك الخ ترمز الى القمح والى خبز الإفخارستيّا المقدّسة.
المرساة:
رمز الى الأمل والرجاء وثبات الإيمان في الكنيسة على المسيح. وتوضع على الثياب المقدّسة وسواها.
عادات مختلفة:
نحب أن نشير هنا الى عادات أخرى ترافق الأعياد المسيحيّة الشرقيّة، ولها رموزها المختلفة:
1- سعف النخل وأغصان الزيتون
تكرّس وتوزّع في أحد الشعانين وتُحمل في الزياح في آخر القداس الإلهي.
2- شمعة الشعانين
تزيَّن شمعة كبيرة للأطفال، وعادة تكون بطول الطفل. ويُحمل الطفل على الأكتاف ومعه شمعته المزيّنة، ذكرى للأطفال الذين استقبلوا المسيح في أورشليم.
3- شمعة الفصح:
وتزيّن شمعة خاصة كبيرة في عيد الفصح وترمز الى المسيح القائم من بين الأموات. يحملها الكاهن صبيحة أحد الفصح في بدء حفلة "الهجمة" ويدعو المؤمنين الى إضاءة شموعهم منها مرنّمًا: "هلمّوا خذوا نورًا من النور الذي لا يغرب. ومجّدوا المسيح الناهض من الأموات".
ويحملها الكاهن أو الشماس أو القارئ في زياحات ليترجيّا القدّاس الإلهي والصلوات الأخرى، بالإضافة الى إيقونة القيامة المزيّنة.
ويبارك الكاهن الشعب في آخر ليترجيّا القدّاس الإلهي يوم الفصح وأسبوع الفصح بهذه الشمعة.
كما يهتف حاملاً هذه الشمعة أمام الشعب بهتاف الفصح: "المسيح قام!" ويجيب الشعب كلّه: "حقًا قام!". ويردّد هذا الهتاف الحماسيّ الفرح مرارًا وبلغات مختلفة. وهو إعلان إيمان المؤمنين بقيامة المسيح التي هي أساس الإيمان المسيحيّ "لأنه لو لم يقم المسيح لكان إيمانكم باطلاً، وأنتم بعد في خطاياكم" (1 كورنثوس 15: 17).
4- تبارك الزهور وتوزّع في أعياد مختلفة:
- في عيد رفع الصليب المكرّم (14 أيلول).
- في الأحد الثاني من الصوم، وفيه يصير إكرام الصليب المقدس.
- في جناز المسيح يوم الجمعة الحزينة أو العظيمة. وهذا يرمز الى مشاركتنا في آلام المسيح المقدّسة وصليبه، فيتحوّل ألمنا وعذابنا ومرضنا الى فرح القيامة وصحّة النفس والجسد.
(بالطبع هذه الزهور يقدّمها المؤمنون للكنيسة في هذه المناسبات كما في مناسبات أخرى، مثلاً في ايام الجمعة من الصوم المبارك حيث ترنّم "مدائح" أمنا مريم العذراء).
5- القمح
يوم عيد القديسة بربارة (4 كانون الأول) وفي السبت الأول من الصوم وقديمًا في أعياد أخرى، اعتاد المسيحيّون أن يسلقوا القمح، فيسمّى "سليقة" أو "إلبة" رمزًا الى الحياة التي يعيشها القدّيسون الشهداء مع الله، وإلى قول السيّد المسيح: "حبّة الحنطة إن لم تمت بقيت وحدها وإذا ماتت أتت بثمر كثير" (يوحنا 12: 24).
6- الزلابية والعوامات
وتقدّم في العائلات وللضيوف في عيد الغطاس أو الظهور الإلهي (6 كانون الثاني). ويعطي البعض رمزًا للزلابية (وهي مستطيلة) الى كونها تشير الى إصبع يوحنا المعمدان الذي أشار الى السيّد المسيح قائلاً: "هوذا حمل الله" (يوحنا 1: 29).
الأعياد الكبرى القديمة مرتبطة بحلويات ومأكولات خاصة. بحيث يشترك الجسد والنفس في العيد. لأن المسيح بتجسّده قدّس الخليفة وألّه الطبيعة البشريّة بكلّ عناصرها والإنسان بكلّ كيانه.
7- بيضات عيد الفصح
تقدم في عيد الفصح. وتكون عادةً ملونة بلون أحمر إشارة الى دم المسيح المسفوك لأجلنا.
وتصير لعبة "تكسير البيض" المسلوق صباح العيد. ومن يكسر بيضة يربحها. البيض رمز الى المسيح القائم من بين الأموات، حالاًّ رباطات الموت.
8- حلويات الفصح (المعمول)
وهو على شكلين: بهيئة قبّة أو كعكة مدوّرة. القبّة تشير الى القبر. والكعكة الى إكليل الشوك الذي وُضع على رأس المسيح.
من استراحة اليوم السابع إلى أبديّة اليوم الثامن
من الخرونوس إلى الكيروس
للأب إلياس شتوي
عودة الى أول الصفحة
"إنَّ الذي أغلقَ اللجّةَ يُرى ميتًا. والذي لا يموت يُلفُّ في كفن مع مرّ. ويودَع قبرًا كمائت. والنسوةُ أقبلنَ ليطيّبنه باكيات بكاءً مرًّا وهاتفات: هذا هو السبتُ الفائق البركة. الذي رقد فيه المسيح. وسيقومُ في اليوم الثالث" (قنداق السبت العظيم المقدّس)
صعب على الإنسان أن يتكلّمَ ويشرح أحداثًا جرت خارجَ زمنِه لكنّها حوّلت زمنَه من تتابعٍ مملٍّ للثواني والدقائق والساعات والأيّام والأشهر والسنين حتى الموت (الخرونوس) إلى زمنٍ ممتلئٍ بحضور الله ومفعمٍ برضاه ونورِه (الكيروس). لذلك يلجأُ المرءُ إلى الاستعانة بما كتبه وخبرَه أناسٌ اخترقت حياتهم الرتيبة الساقطة وزمنهم الرديء (الخرونوس) حياةُ الله بكاملِ إشعاعها وبهائها (الكيروس) منتجةً صليبَ مجدٍ افتدى به الإله جنسَنا وأعادَه إلى ما يفوق جماله الأوّل القديم؛ إلى الجلوس عن يمينِ العظمةِ في الأعالي!
وإذا عدنا إلى الليترجيا، فما هذا إلاّ لأنّ ما أُعلن وتمَّ وسُلّم مرّةً واحدةً للقدّيسين تتناولُه الطقوسُ وتعيدُه إلى المؤمنين مقرونًا بخبرةِ المؤمنينَ أنفسِهم، لتستعيدَ المؤمنينَ إلى سرّ المسيح!
السبت العظيم المقدّس
إنّ يوم السبت العظيم هو اليوم الوحيد في السنة الطقسيّة ذو الطابع "المعقّد"، إذ يتقاسمه في الآن عنه الحزنُ الناتج عن آلام السيّد وموتِه، وفرحُ القيامة!
إمتنع المسيحيّون حتى القرن الثامن عن إقامة شعائر العبادة في هذا النهار؛ فهذا هو "يوم السبوت والراحة" يوم الصمتِ العظيم. فالحياة محجوبٌ في الثرى ليُحييَ الذين تحت الثرى! لكنّ المؤمنين كانوا يجتمعون في عشيّة هذا اليوم، بعد غروب الشمس، للبدءِ بسهرانيّة القيامة (سهرة الفصح) يحيونها بالصلوات والترانيم والقراءات حتّى فجر الأحد، عندها ينشدون "هلّلويا" إيذانًا بالقيامة. وفي هذه الليلة أيضًا تبارَك النار أو النور الجديد وتضاء الشموع والمصابيح وتتقدّم جموعُ الموعوظين إلى الاستنارة المقدّسة (المعموديّة).
ابتداءً من القرن الثامن أصبحت جميع هذه الشعائر تقام بعد ظهر السبت، متقدّمة بضع ساعات عن ميعادها الأصلي، لينتهيَ المطاف بالاحتفال بها ظهرًا كما هي العادة اليوم، فغابت السهرة بمعناها الحصريّ، وبقيت أبرز عناصرها كما سيمرّ بنا الكلام. وتجدر الإشارة إلى أنّ السبت العظيم هو السبت الوحيد في السنة الذي تصوم فيه الكنيسة، إذ اعتادت منذ عهد القدّيس إيريناوس (منتصف القرن الثاني) أن تتهيّأ لعيد الفصح بصوم يدوم 40 ساعة.
أ-صلاة الغروب وإنزال الجسد الإلهيّ عن الصليب وتكفينه ودفنه
ينتمي هذا القسم من يوم السبت العظيم عمليًّا إلى يوم الجمعة العظيمة، وفيه جرى آخر حدث ليسوع المسيح في الزمن.
وينقلب إيقاع الزمن الليترجي، فتبطل العادة التي تنصّ على أنّ اليوم يبدأ بصلاة الغروب، فنرى كلّ أيّام هذا الأسبوع تبتدئ بصلاة السّحر وتنتهي بصلاة الغروب. موت المسيح بلبل نظام الطبيعة، "والبريّة كلّها دهشت لمّا رأته معلّقًا على الصليب. فالشمس أظلمت وآساس الأرض ارتجّت والكلّ تألّموا مع خالق الكلّ" كما تردّد القطعة الأولى من قطع مزامير الغروب. وتتأمّل القطع الأخرى "بالعجب العظيم" كيف أنّ المبدعَ والخالقَ يقضي عليه جهلُ البشر فيموت ظلمًا! وتندبه أمُّه البتول التي أدركت وحدها دون سائر البشر عمقَ سرّه وتنازله. فها هي تدعوه إلى القيامة "قم مسرعًا"! وكما كانت في عرس قانا الجليل فاتحة لعجائبه، نراها اليوم تستعجله لإجراء معجزة المعجزات أي قيامته من بين الأموات.
أمّا قطعة "المجد" فتقيم مقارنة بين أمانة الله من خلال إحساناته إلى بني البشر، وبين الإساءات التي قابله بها أبناء خاصّته. فالموقف يدعو إلى الأسف والتأوّه! وتضعنا قطعة "الآن" في موقف ذهول ورهبة أمام سرّ تنازل الإله. فكيف غير الملموس وفاحص الكلى والقلوب ومغلق اللجة الذي تخدمه القوّات السماويّة برعدة منتصبة أمامه، هو الجابل وديّان الأحياء والأموات ومدمّر الجحيمِ كيفَ يُمسكُ ويُسجنُ ويُحاكمُ ظلماً أمامَ بيلاطس، ويُلطم ويُقضى عليهِ بالموتِ صلبا" ويودعُ في قبر؟ إنَّ هذا السّرَّ رهيبٌ ولا نملِكُ فيهِ عِلماً أو معرفةً لكن تسبيحاً لطولِ أناةِ من احتَملَ هذهِ كلِّها برأفتهِ؛ فلَهُ المجد! وكما يليقُ بغروبِ الأعيادِ الممتازةِ والكبرى، نقرأُ في الغروبِ من العهدِ القديم ولَكن أيضا من العهدِ الجديدِ أيضاً فإنَّ هذا اليوم مع كونهِ "غير ليترجي" (أي لا تقام فيه الليترجية الإلاهية) ألاّ أنّهُ يومٌ مميزٌ جداً.
سأتوقفُ فقط عند الدرسِ الأولِ المُسْتقى من العهدِ القديم من سفر الخروج (23:11). يطلب إلانسان بشخصِ موسى الذي كلّم الله وجهاً لوجه أن يرى الله ليعرفَه. إنها الحاجةُ الأزليّةُ عندَ الإنسانِ وصرختُه عبرَ العصور، ويأتي جوابُ الله لموسَى بعدمِ إستطاعةِ الإنسانِ أن يرى وجهَ اللهِ لأنَّ وجهَه لا يُرى، إلا أَََنَّ عطشَ موسى ورغبةَ قلبهِ يتحققانِ اليوم.فالسِّرُّ الفصحيُّ يكشِفُ لنا وجهَ الله-الإنسان،على الصليبِ ثم في بهاءِ القيامة ولأنَّنا رأينَا هذا الوجهَ "اليسوعي" فنحن عَرفْنا الله."من رأى الإبن فقد رأى الآب"(يوحنا 12-45 14: 7-9)
ونقرأُ من العهدِ الجديدِ قراءتين؛ أولى من الرسالةِ الأولى إلى أهل كورنتس(1/18- 2/2)يعرضُ فيها الرسولُ بولسُ الجدليّةَ المتناقضةَ الكبرى بين الحكمةِ والصليبِ.فالبشارةُ بالمسيحِ مصلوبا" لا تنتمي إلى مقاييسِ هذا العالمِ العقليّةِ أو الفلسفيّةِ، بل هي فقط لمن قبِلَ المسيحَ حكمةَ الله وقوَّتهُ.
والقراءةُ الثانيةُ هي فصولٌ مؤتلِفةٌ من الإنجيلِ المقدّس، نُظِّمَتْ في مطلعِ القرنِ الثاني عشر، وتستعرضُ كلَّ أحداثِ أل12 ساعة الأخيرة من الآلامِ والصَلبِ والدفن.
وفيما يلفّ الحُزنُ والأَسى الأرضَ كلَّها، يدخلُ اللّهُ-الإنسان في راحتِه الثلاثيّةِ الأيامِ السريّة؛ ينحجبُ عن البشرِ ليظهرَ للذينَ في الجحيم هذا ما تنشدهُ قطعُ آخرِ الغروبِ التي ترافقُ رتبةَ إنزالِ المسيحِ عن الصليب. "يا فادي الجميع.إنَّ الجحيمَ الساخرةَ لمَّا أبصرْتكَ موضوعاً في قبرٍ… خافَتْ وتحطّمَتْ أمخالُها وسُحِقَتْ أبوابُها.والقبورُ تفتّحَتْ والأمواتُ قاموا. حينئذ هتفَ لكَ آدمُ فرحاً وشاكراً: المجدُ لتنازلِكَ يا محبّ للبشر"
فالمسيحُ الظاهرُ في دنيا البشرِ وزمنِهِم ميتاً يكفّنُهُ يوسفُ وصحبهُ، نراهُ خارجَ الزمنِ يَعلِنُ الغلبةَ على الموتِ في عالمِ الموت؛ فالمسيحُ مُذّ أسلمَ الرّوحَ على الصليبِ قهرَ ممالكَ الجحيمِ وأنهضَ منها الراقدين. إنّ راحةَ السيّدِ في اليومِ السابعِ أنشأََتْ انتصارا" خرجَ من جوفِ الأرضِ من عند الأمواتِ وانبلجَ متفجّراً في بهاءِ اليومِ الثانٍ ونوّره ، حينئذ أهلّتَ هذا السّبتَ لمجدِكَ وبهائِكَ وبركتِكَ الإلهيّة…ففي كلّ مرّة أشارك بهذه الصلاة يشمَلُ الرّعشَةُ والإندهاشُ عقلي وقلبي أمامَ هذا الحدثِ الرائع؛ فأشعر بأني صرتُ فجأةً خارجَ الزّمنِ أشهدُ لما لا يُرى ولا يُفسَّر. وإذا كان الإندهاشُ هو لسانُ حالِنا أمام هذا الدّفنِ المحيي، فإن لسانَ حالِ الجحيم هو الخوفُ والرّعبُ في هذهِ اللحظةِ الثلاثيّةِ الأيام وتُعيدُنا قطعةُ المجد والآنْ الأخيرة، هذه القطعةُ الرائعةُ، إلى حزنِ من رافقوا يسوعَ وبالأخصِّ إلى حزنِ يوسفَ الراميِّ الذي، مع علمِه أنَّ المائِتَ هو ربُّ العالمين، نراهُ ملزَماً بتحنيطِه ودفنِه؛إنه لعمري موقفٌ حرجٌ من أصعبِ المواقفِ الوجدانيّةِ واللاهوتيّةِ، يفيضُ في النّفس دموعَ الحبِّ والتسليمِ والاعترافِ بمن أخذَ قضيَّتي والتزَمَ بها حتى الموت. ولكنْ أملَ الحُبِّ يعبقُ في قلبِ يوسفَ فيدعو المسيحَ هو أيضا" إلى القيامة."فأسبِّحُ دفنَكَ وقيامتَكَ..."
وهنا أتوقّفُ عند شخصيّةِ يوسفَ الراميّ وأقابلُها بشخصيّةِ يوسفَ آخرٍ هو خِطّيبُ مريم. واليوسفان لعبا دوراً حاسماً في إعلانِ سرِّ تنازلِ الإلهِ حتى درجةِ العجزِ. فالطفلُ يسوعُ العاجزُ أمامَ حنقِ هيرودس، يَكِلُ أمرَه ليوسفَ والدِه بالتبنّي، الذي هربَ به فضمنَ سلامتَه ونموَّه وبلوغَه؛ ويسوعُ المائتُ والعادمُ النسمةِ يكلُ أمرَهُ ليوسفَ الراميّ الذي يُدخِلُه في راحتِه ممهِّذاً لإعلانِ الغلبةِ على الموتِ من خلالِ القبرِ الفارغ؛ هذا ما يتناولُه قانونُ سحرُ السّبتِ العظيمِ في التسبيحةِ الخامسةِ فيقول:"…إنّ يوسفَ الوجيه المشير أتمّ قصدَ أبيك. الذي جدّدنَا كما يليق بعظمته."
وعندَ الترتيلِ بهذهِ القطعةِ الأخيرةِ المطوَّلة، تُفتَحُ الأبوابُ المقدَّسةُ وتُسرجُ الشموعُ في أيدي المؤمنين ويطوفُ الكهنةُ(أو بعضُ الأتقياء) بالإبيطافيون، أي رسمِ وضعِ المسيحِ في القبرِ، يتبعُهُم المتقدّمُ حاملاً الإنجيل؛ فالمدفون هو كلمة اللّه. ثم يضعونَهُ على طاولةٍ تعلوها قبّةٌ في وسطِ الخورس والإنجيلُ فوقَه وتُنثرُ عليهِ الورودُ ويُرشُّ بالعطورِ ويتقدّمُ المؤمنون للسجود له "لاتريّا" كما وردَ في البَّتيكونات القديمةِ أي ليقدِّموا له عبادة السجودِ اللائقةِ باللّهِ وحده . وتنتهي الصلاةُ بالأناشيدِ الختاميّةِ التي تُعلنُ القيامةَ "إنَّ الملاكَ وقفَ عند القبر. وهتفَ بالنسوةِ حاملاتِ الطيب. إنَّ الطيوبَ تليقُ بالأموات. لكنَّ المسيحَ قد ظهر غريباً عن البلى"
ب سحر السبت العظيم المقدّس
إنتهى بنا زمنُ البشرِ (الخرونوس) إلى الوقوفِ أمامَ المسيحِ موضوعاً في قبر . ويُدخلُنا وقتُ اللهِ (الكيروس) إلى عمقِ سرِّ التدبير،إلى حيثُ نزلَ المسيحُ بعد موتِه بنفسِه ليطلبَ آدم. إنَّ صلاةَ سَحرِ السبتِ المقرونةِ برتبةِ جُنّازِ المسيح هي في الواقع احتفالٌ بوقتِ اللِه المرضيِّ هذا؛ إنَّه الاحتفالُ بفصحِ الراقدينَ ودخولهم مع المسيحِ الحياة الجديدة؛إنه احتفالٌ ببزوغِ فجرِ اليومِ الثامنِ الذي لا مساءَ له. لهذا يغلبُ على أناشيدِ هذه الخدمة وقراءاتها طابعٌ لاهوتيّ صرف، بحيث يمكنُ القولُ أنَّ سحرَ السَّبتِ العظيمِ يشكّلُ مدرسةً لاهوتيّةً بامتيازٍ تعكِسُ فكرَ الرسولييِّينَ من الآباء(كإزيناوس وأثناسيوس الإسكندري) حولَ انتصارِ المسيحِ على الجحيمِ بسبب إتحادِ جوهرِ الكلمةِ بطبيعةِيسوعَ البشريّة اتحاداً لم يقدرِ الموتُ على فكِّ عراه.
إعتادَ الرومُ الكاثوليك، حتى أواسطِ القرنِ الماضي، على فصلِ رتبةِ الخبّازِ السيّدي عن صلاةِ السّحر. واقتصر الجُنّاز فقط على العناصر التالية: -تباركَ إلهنا- حالا" التقاريظ تتخللها آيات المزمور118- ثم المجدلة الكبرى والدورة بالابيطافيون وتلي الطروباريات الختاميّة والإنجيل والحل والسببُ في هذا هو من جهّة أنّ رتبة الجنّاز كما ينصّ عليها كتابُ التريوذي كانت تقامُ باكراً صباحَ السبت ويتعذّرُ على غالبيّةِ المؤمنين حضورُها، ومن جهّة أخرى لم تكن قد ظَهرتْ بعدُ الرتبةُ المسائيّةُ المعروفةُ حاليّاً وذلك بفضلِ التعديلِ الذي أجريَ على تيبكون الكنيسةِ العُظمى(القسطنطينيّة) في أواسطِ القرنِ التاسعَ عشر والذي تبنّاه رسميّا" كتاب التيبكون الكاثوليكي 1909 مع الأرشمندريت كيرلس رزق وعليه جرت كلُّ الكتبِ اللاحقة.
(لمن يريد الإطلاع على الرتبة بحسب كل من التقليد القديم أو الجديد فليرجع إلى كتاب الصلوات الطقسيّة)
ب1 يغلبُ على هذهِ الخدمةِ الطابعُ القياميّ؛ طابعُ الغلبةِ والإنتصار. فالأناشيدُ، إن تكلّمت عرضا" عن آلام السيّد؛ فهي غالبا" ما تربطُها مباشرةً بمفاعيلها أي بانحدارِ المسيحِ إلى مملكةِ الظلامِ وانتصارِه على سيِّدِها، وتحريرِه لأسراها وقيادتِهم إلى السماء بموكبٍ ظافر(ابط 3؛ 18-19، 4، 6) ويشمَلُ النورُ الكنيسةَ كلَّها؛ فالكهنةُ والخدّامُ يرتدون الحللَ الذهبيّةَ البرّاقة، والمصابيحُ تضاءُ كلّها والزهورُ والورودُ تملأُ صحنَ الكنيسةِ حيث القبّةُ (الصمدة) التي يرقدُ تحتها المسيحُ بالجسد، أمّا نفسُه فتفجِّرُ الحياةَ في الجحيم.
سأتناول بكلامي عناصر ثلاثة من هذهِ الرتبةِ المقدّسة: القانون والقراءات الكتابيّة والطواف.
1- يعكس القانون ، الذي عمل على نظمه كلّ من كسيّا المتوحّدة ومرقس أسقف إذرون وقزما المنشئ، لاهوتا" آبائيّا" محورُه:
-الإتحادُ الإقنوميُّ في شخصِ يسوعَ المسيح الذي هو جوهر سرّ التدبير. فإذا كانَ الجسدُ قد قتلَ إلاّ أن اتحادَ اللاهوتِ والناسوتِ لم يُنقَضْ: أيّها الكلمةُ قتلتَ لكنَّكَ لم تنفصلْ على الجسدِ الذي اتحدتَ به. وإنِ انحلَّ هيكَلُك في حينِ الآلام. فإنَّ أُقنومَ لاهوتِك وناسوتِك واحدٌ. وفي كليهِما لم تزلْ أوحَدْ. كلمةَ الله.إلها وإنساناً(التسبحة السادسة)
-أتاحَ هذا الاتحادُ للسيِّدِ أنْ يجدِّد أهلَ الأرضِ ويُنهِضَ الموتى, ابتداءً بجسده الخاص؛ حوّلتَ المائتَ بالموت. والفاسدَ بالدفن. لأنّكَ كما يليقُ بإله. صيّرتَ الجسدَ الذي اتخذتَه غيرَ فاسدٍ وغيرَ مائتْ فجسدُكَ لم يرَ فساداً أيّها السيّد . وبعجبٍ غريب، لم تُترَكْ نفسُك في الجحيم (التسبحة الخامسة) -إنّ هذا التجديد الذي بدأه السيّدُ في جسدِه الخاص، عمَّ كلَّ الخليقةِ، فالمسيحُ بموتِه ودفنِه استعادَها إلى اللِه الآبِ معيداً خلقَها: "أيُّها المخلّص بسطتَ كفّيكَ فضممتَ المتفرّقات..."(التسبحة الثالثة) "إنّكَ استرجعتَ الأشياءَ كلَّها وجدّدتَها..." (التسبحة الرابعة)
"طُعنَ بحربةٍ جنبُك الذي منه أعدتَ جِبلةَ حوّاء(التسبحة الخامسة)(التَّسبحة الأولى، التَّسبحة الخامسة) عند الترنيم بالمجدلةِ الكُبرى،وعلى إيقاع قدوس الله...(النشيد المثلث التقديس) يطوفُ الكهنةُ بالمسيحِ الراقد. هذا الطوافُ هو في الأصلِ زياحٌ يبتدئ في أورشليم من الجلجلةِ وينتهي في القبرِ المقدّس. ولهذا يُوضعَ الأبيطافيون بعد الطوافِ على المائدةِ المقدّسةِ، فالمائدةُ المقدّسةُ هي رمزُ لقبرِ السيّد. وما الطوافُ بالمسيحِ المائتِ سوى صورةٌ عن نزولِه إلى أقصى أسافلِ الأرضِ وتجواله بين الأموات، وهو دعوةٌ لنا لكي ندفُنَ معه إنسانَنَا العتيقَ مع شهواتِهِ وفسادِهِ لتتجدََّدَ فينا الصّورةُ القديمةُ على مثالِ المسيحِ السّاطعِ بالمجدِ بقيامتِه المحيية. ولأننا رغمَ سقوطِنا وضعفِنا نحوي صورةَ اللهِ فينا، وقد جعلَنا اللهُ نفسهُ هياكلَ لروحهِ القدّوسِ ومشابهينَ لابنه الوحيد، نرى الكاهنَ يرشُّنا أيضاً بالطيوب، نحن جسدَ المسيحِ الموسومَ بالخطايا والآلامِ والكلومِ، داعياً إيّانا إلى التجدّدِ بقوّةِ المسيحِ الظافر. إنها معجزة القيامة تخبرنا بها نبوءة حزقيّال؛ قيامةُ المسيح وقيامتُنا؛ فروحُ اللِه هو دائما" روحٌ محيي؛ وبقدر ما تَيبسُ عظامُنا وتندثرُ، بقدرِ ما تنكشفُ لنا قوَّةُ اللهِ الخلاّقةُ والمحييةُ من الرحيم.
أما الرسالة التي نقرأُها، فهي خليطٌ من الرسالةِ الأولى إلى أهل كورنتس( 5،6-8) ومن الرسالةِ إلى أهلِ غلاطية (3، 12-14) تعلنُ "أنَّ المسيحَ فصحَنا قد ذبحَ" لكي تحلَّ على الأممِ البركةَ التي باركَ بها اللهُ إبراهيم، ولننال بالإيمانِ موعدَ الروحِ الذي سبقَ حزقيالُ متنبّأَ عنه وانسكبَ على التلاميذِ يومَ العنصرةِ بفضلِ موتِ يسوع وقيامتِه. ويعيدُنا الإنجيلُ إلى حدثِ ذلك النهارِ، إلى الخرونوس، إلى "الغدِ الذي بعد التهنئة" وقد تحوّل هذا الخرونوس رغمَ ختمِ الحجرِ وإقامةِ الحرّاسِ إلى كيروس الربِّ إذ إنَّ الفجرَ سينبلجُ واليومَ الثامنَ بدأَ يلوح.
أحد الفصح العظيم المقدّس
عودة إلى أول الصفحة
أ- صلاة الغروب
كانت السهرانيّةُ الفصحيّةُ تبتدئُ بعد غروبِ الشمسِ، كما سبقَ وأشرْنا، وتنتهي عندَ الفجرِ معلنةً القيامةَ التي بشَّرَ الملاكُ للنسوةَ حاملاتِ الطيبِ باكراً جداً .
وكانت هذه الليلةُ المقدّسةُ محطَّ أنظارِ المؤمنينَ في المراكز الكنسيّةِ الكُبرى ،ففيها تحتفلُ الكنيسةُ "بعيد ميلادها" وبميلادِ أعضاءَ جددٍ ينضمّونَ إلَيها كلَّ سنةٍ في مثلِ هذه الليلة. ولأجلِ هؤلاءِ المتقدّمينَ للإستنارة أو المعموديّة، كانتِ الكنيسةُ تصومُ الصومَ الأربعينيَّ وترافقَهُم في صلاتها إذ كانوا يستعدّونَ الإستعدادَ الأخيرَ للدخول في حياةٍ جديدةٍ وديانةٍ جديدة؛ دخولٌ لا رجوعَ عنه، فإنَّهم سوفَ يموتونَ مع المسيحِ ويقومونَ معه؛ أي سيصبحَ فصحُ المسيحِ فصحَهم الشخصي.
وكانت الليترجيّا الإلهيّةُ تشكّلُ خاتمةَ هذه السهرةِ وفيها يشتركُ المعتمدون حديثاً أو المولودونَ حديثاً بمائدةِ الربّ مع سائر المؤمنين. هذا ما تشهَدُ عليه أقدمُ المخطوطاتِ منذ منتصفِ القرنِ الخامس. نشهدُ في الطقسِ" اليوناني " قداسَين في اليومِ الواحدِ وللمرّة الأولى،وهذا مستغرب . فالطقسُ دقيقٌ في ما يخصُّ وحدةَ القدّاسِ في اليومِ الواحدِ وعلى المائدةِ الواحدة . والسببُ في هذا الاستثناءِ ما زالَ غيرَ محسوم ؛ فمنَ العلماءِ من يقول- وهذا هو الأرجح- أنّه لكثرةِ العمَاداتِ ، خصوصاً بعدَ إعلانِ المسيحيّةِ دينَ الدولةِ الرسمي، وانحصارِها ليلةَ السبتِ العظيمِ. أوجدت العبقريّةُ الليترجيّةُ هذا الحلَ؛ أي اختتام السهرةِ الفصحيّةِ بالليترجيّا الافخارستيّةِ الأولى، ثّم في منتصفِ النهارِ كانت تقامُ ليترجيّةٌ ثانيةٌ احتفالاً بالقيامة. ومن هنا عُمِّمتْ هذه العادةُ على عيدَي الظهورِ الإلهي والميلادِ باعتبارهِما فصحَينِ صغيرَينِ. ومن العلماءِ من يرى أنَّ الليترجيّا الإفخارستيّة الأولى هي
احتفالٌ بالفصحِ الذي تمَّ في دنيا الأمواتِ حيثُ نزلَ المسيحُ وانتصرَ على الجحيمِ، بينما الليترجيا الثانية هي اشتراكٌ بالليترجيا السماويّةِ حيثُ المسيحُ الكاهنُ الأعظمُ يفتتحُ الخليقةَ الجديدةَ ويقدّمُها لأبيهِ مدشِّناً بذلك زمنَ الربّ (الكيروس)أو اليومَ الثامن. وهناك فريقٌ ثالثٌ من العلماءِ ، نحا منحىً أكثرَ واقعيّة ، وإنْ مالَ إلى اعتقادِ الفريقِ الأوّلِ ضمناً، منطلقينَ من مبدأ "تناصح الطقوس " (osmose) فاعتبروا أنّ عادةَ إقامةِ ليترجيَّتَينِ في يومِ الفصح، هو تبني للعادةِ القائمةِ في أورشليم بالإحتفالِ بقدّاسٍ أولٍ للمستنيرينَ حديثاً، يتبعُه قدّاسٌ ثانٍٍٍ يحتفلُ فيه البطريركُ في كنيسةِ القيامةِ على القبرِ المقدَّسَ ، وهذا ما تخبُرنا بِه التقيّةُ هيجيريا في رحلةِ حجِّها إلى الأماكنِ المقدّسةِ في النصفِ الثاني من القرنِ الرابع. ويؤكّدُ هذهِ العادةَ التيبكوناتُ القديمةَ المتعلّقةُ بديرِ القدّيسِ سابا التي تشيرُ إلى ثلاثةِ إحتفالاتٍ إفخارستيّةٍ ابتداءً من ليلةِ السبتِ حتى مساءِ الأحدِ كانت تقامُ في أديارِ القدس.
يبقَى أن نشيرَ إلى أنَّ الأناشيدَ الخاصَّةَ بهذهِ الليلةِ الفصحيّةِ كانَتْ ذات طابعٍ "معمودي" ولم تكن تركّزُ على حدثِ القيامةِ بقدرِ تركيزِها على مواضيعِ النور ، الإغتسال ،الخلق الجديد، الفصح والعبور، تاركةً بذلك المجال لسحرَ الأحد ليذخرَ بالأناشيدِ التي تعلنُ القيامةَ وتتأمّلُ فيها.
وبالعودةِ إلى الممارسةِ الحاليّة ، فقد تقلّصتْ سهرةُ الفصحِ وغابتْ عنها المعموديّة ، فأصبحتْ تقامُ ظهرَ السّبتِ كغروبٍ للقيامة نتبعُها بقدّاسِ باسيليوس ، وبهِ ينتهي كتاب زمنِ الصوم (التريودي) عمليّاً.
لنتأمل بهذه الخدمة عن قرب:
تسبقُ صلاةَ الغروب، رتبةُ تقديسِ النّور . وهذه الرتبةُ مشتقّةُ من طقسِ كنيسةِ القيامةِ وهي حديثةُ العهد في كنيستِنا. ففي القدس ينطَلقُ طوافٌ من الجلجلةِ مرورا" بالمكانِ الذي جُهّزَ فيه جسدُ المسيحِ للدفنِ وصولاً إلى القبرِ المقدّس.يرتد المحتفلونَ حللاً خمريّة وبأيدي الجميعِ شموعٌ منطفئة. يرمزُ هذا الطوافُ إلى انحدارِ المسيحِ إلى الجحيم وكرازتِه للنفوسِ المضبوطةِ هناك، واعتاقِها من أسرِ الموت . وتبلغُ هذه الدراما ذروتَها عندما يدخلُ البطريركُ وحدُه إلى داخلِ القبرِ المقدّسِ ويسودُ صمتٌ رهيبٌ فيباركُ البطريركُ النورُ المسرجُ دائماً على القبر ويشعلُ منه شمعةَ الفصحِ ثمّ ينتشرُ النورُ بسرعةٍ مذهلةٍ من داخلِ القبرِ إلى كلِّ أنحاءِ كنيسةِ القيامةِ على ترنيمِ استنيري استنيري؛ ويُنقَلُ النورُ إلى القرى والمدن في أنحاءِ العالم. تقامُ هذه الرتبةُ في القدس بعد ظهر السبتِ ومن هنا نشأ التقليدُ الشعبيُّ الذي
يعتبرُ أنّه في الساعةِ الثالثةِ من بعد ظهر السّبت العظيم يحدثُ "فيضانُ النور" أي أنّ القيامة قد تمّت .فتُقرَعُ الأجراسُ ويذهبُ البعضَ حتى إلى تناولِ حلوياتِ العيدِ مِنهينَ صيامَهم .
ثمّ تبتدئُ صلاةُ الغروبِ، بعد أن يكونَ المحتفلونَ قد استبدلوا حللَهم الخمريَّةَ بحللٍ بيض ، بافتتاحيّة القداس الإلهي: " مباركة مملكة الآب..." تتناولُ قطعُ مزاميرِ الغروب (الأربعة الأولى) القيامةَ التي أُعلنَت للعالمِ من صهيونَ المقدّسةِ "أمِّ الكنائس"، داعيةً الشعوبَ إلى الإلتفافِ حولَها كما دعتهُم سابقاً في عيدِ الميلادِ إلى الإحاطة بالأمِّ صهيون؛ وتتخطى كلمة " صهيون" المفهومَ التيبولوجيِّ المباشرِ لتشملَ الكنيسةَ التي اعتاد الآباءُ على تسميَتِها بصهيون السريّة ولتبلغَ في النهاية " أورشليم السماويّة أو العلويّة"
وتعيدُنا القطعُ الأربعة الأخيرة مع قطعةِ المجد إلى حدثِ النزولِ إلى الجحيمِ يوم السّبت، وتدميرِ مملكةِ الموت. فنتذكّرُ للمرّةِ الأخيرة معنى يومِ السّبتِ العظيم، ونقابلُه براحةِ اللهِ من الخلقِ في اليومِ السّابع؛ فهذه الراحةُ ليست راحةٌ انكفائيّةٌ بل هي تعبيرٌ عن أقصى حدودِ التنازلِ الإلهيّ الذي تمّ بواسطة "سرّ التدبير".
"تُقرأُ في الليلةِ المقدّسةِ خمسَ عشرةَ قراءةً" من العهدِ القديم، تتناولُ ثلاثةَ مواضيعَ مستقاةٍ من حدثِ النهار:
أ-المعموديّة والإستنارة والبرارة :
*القراءة الأولى من سفر التكوين ، وهي القراءةُ التي نتلوها في عيدَي الميلادِ والظهورِ الإلهيّ، وتتوقفُ عند اليومِ الرابعِ يومَ خلقَ اللهُ الشمسَ والأنوار.
*القراءةُ الثانيةُ من سفرِ أشعيا، وتتكلّمُ عن نورِ أورشليمَ ومجدِ الرّبِ المشرقِ عليها، وفيها يضمنُ الربُّ أنَّ أبوابَ أورشليمَ ستكونُ مفتوحةً إلى الأبدِ لأنّها مدينةُ الربّ.
*القراءةُ التاسعةُ من سفرِ أشعيا أيضاً وتُخبرُ عن حالةِ البرارةِ و الابتهاجِ الذي يضفيها الربُّ على أورشليم؛ لأنهُ يُسرُّ بها سرورَ العريسِ بالعروس.
*القراءةُ الحاديةَ عشرةَ من السفرِ ذاتِه، يصفُ أشعيا فيها حالةَ جيلِ التجديدِ والذريّةَ التي باركَها الربُّ بفعل مسيحِه فالمعمّدونَ أصبحوا هم أيضاً جيلاً مختاراً، أمّةً مقدّسةً، وكهنوتاً للربّ كما تقولُ النبوءة.
*القراءةُ الرابعةَ عشرةَ من نبوءةِ إرميا. وتتكلّمُ عن العهدِ الجديدِ الذي سيقطعُه الربُّ مع شعبِه. فسيعرفونَه كلُّهم من كبيرِهم إلى صغيرِهم وهو سيغفرُ آثامَهم وخطاياهُم
ب- الفصح والعبور والخلاص:
* القراءةُ الثالثةُ من سفرِ الخروج، وترسمُ للشعبِ كيفيّةَ إعدادِ الحمَلِ الفصحيِّ وذبحِه "بين الغروبَين" ورشِّ دمِه وأكلِه بعجَلة. وكلُّ هذا رمزٌ إلى العبورِ الذي تمَّ بدمِ المسيح.
* القراءةُ الخامسةُ من سفرِ يشوع، وفيها يَظهرُ رئيسُ جندِ الربِّ ليشوعَ بنِ نونٍ بعد أن صنعَ الفصحَ مع شعبِ إسرائيل. وما رئيسُ أجنادِ العليِّ إلاّ صورةٌ عن المسيحِ المقتدرِ بالقوّة.
*القراءةُ السادسةُ من سفرِ الخروج، وتخبرُنا عن الربِّ الذي يسيرُ أمامَ شعبِه عندَ خروجِهم من أرضِ مصرَ في عمودٍ من غمامٍ نهارا" وعمودٍ من نارٍ ليلا" وكيفَ أجازَ اللّهُ شعبَه في البحرِ الأحمرِ وغرَّق فرعونَ ومركباتِه، فأنشدَ الشّعبُ "سبِّحوا الربَّ فإنَّهُ بالمجدِ قد تمجَّد"
*القراءةُ السابعةُ من نبوءةِ صَفَنيا النبي. وتُعلنُ عن يومِ انتقامِ الربِّ من الأممِ والممالك، وظهورِ خلاصِه لأورشليمَ ومُلْكهِ في وسَطِها إلى الأبد .
*القراءةُ الثالثةَ عشرةَ من أشعيا، وهي صرخةُ الذينَ ينتظرونَ وعودَ الربِّ "ليتَك تشقُّ السماواتِ وتنزل" فهي تعبّرُ عن رجاءِ الإنسانِ بإلههِ: "منذُ الدهرِ نحنُ في الخطايا ، لكنّا سَنُخْلَق"
ج- موت يسوع وقيامته:
تتكلّم القراءاتُ التاليةُ عن موتِ الربِّ وقيامته:
*القراءةُ الرابعةُ من سفرِ يونان؛ الذي استعانَ به الربُّ يسوع ليتكلَّمَ عن موتِه ودفنِه وقيامته.
*القراءةُ الثامنةُ من سفرِ الملوكِ الثالث. وتسردُ قصّةَ إيليّا النبي وإحيائِه لابنِ أرملةِ صرفَتْ صيدا بالتضرُّعِ إلى الله 3 مراتٍ، فيما المسيحُ نهضَ بسلطانِه الذاتيّ.
*القراءةُ العاشرةُ من سفرِ التكوينِ وتتكلَّمُ عن ذبيحةِ ابراهيمَ وتقدمتِه لابنِه الوحيدِ إسحق. وفي ذلكَ رمزٌ إلى ذبيحةِ الصليبِ حيثُ قدَّمَ ابنُ اللهِ الوحيد ذاتهُ ذبيحةً كفّارةً عن خطايانا فاستحققنا بذلكَ بركةَ اللهِ لإبراهيم (غلاطية).
*القراءةُ الثانيةَ عشرةَ من سفرِ الملوكِ الرابع وتخبرُ أيضاً كيفَ أحيا أليشاعُ ابنَ الشونميّة في العليّة بأنِ
انبسطَ عليهِ شكلَ صليبٍ فعادِتْ حياتُه إليه.
*القراءةُ الخامسةَ عشرةَ من سفرِ دانيال تروي قصَّةَ عَزرْيا وأصحابِه الذين ألقاهم نبوخذنَصّرُ الملكُ في أتونِ النار. ولم يصابوا بأذى لأنَّ ملاكَ الربِّ نزل معهُم وندّى النار. وما هذا إلاّ رمزٌ إلى جسدِ المسيحِ الذي لم يستطعِ الموتُ أن يفسدَه لأنَّه متّحِدٌ بالكلمة.
تتابعُ الليترجيّا الإلهيّةُ سياقَها ، فنستبدلُ النشيدَ المثلّثِ التقديسِ بنشيدِ العماد؛ "أنتمُ الذينَ بالمسيحِ اعتمدتُم المسيحَ قد لبستُم. هللويا "
وتشكّلُ المعموديّة محورَ قراءاتِ العهدِ الجديدِ أيضاً. فالمعموديّة هي موتٌ شخصيٌّ مع المسيحِ وقيامةٌ معه. وكلُّ مسيحيٍّ مدعوٌ بفعلِ معموديَّتِهِ إلى السلوكِ في الحياةِ الجديدةِ التي نهجَها لنا المسيح بموتهِ وقيامتِه. ككلّ واحد منّا أضحى مسيحاً على شبه معلّمنا ودعوتنا أن ننطلق ونعلن البشارة إلى الخلقِ أجمعين.
وبعد الفصل الرسائلي لا تقال هللويا بل حالاً يصرخ المحتفل بالآيات الإحتفاليّة "قمْ يا الله واقضِ في الأرض. فإنّكَ أنتَ ترثُ جميعَ الأمم" (المزمور 81). هنا تعلنُ الكنيسةُ بشكلٍ احتفاليٍّ معنى العيد؛ فالقيامة تثمرُ تألّهاً ، عدلاً ، إنصافاً وقضاءً؛ بحسبِ الآياتِ التي تتخلَّلُ اللازمة.
وهذه الأفعالُ سيحقِّقُها الرّوحُ القدسُ في العالمِ.كما تنبّأَ يسوعُ وهو على العشاءِ في إنجيل يوحنّا 16، 8-11. فالرّوحُ سيأتي ويوبِّخُ العالمَ على الخطيئةِ والبرِّ والدينونة. وبهذا النشيدِ تُدخِلُنا الكنيسةُ في بهجةِ الأزمنةِ الأخيرةِ التي ترافقُها مسؤوليَّةٌ شخصيّةٌ سوف ندانُ عليها. وعند الترنيمِ بِهذه الآياتِ ينثرُ المحتفلُ ورقَ الغارِ في الكنيسةِ دلالةً على الغلبةِ والإنتصار، كما كانَ يُستقبل الإمبراطورُ الرومانيُّ بعد فتوحاتِه وهو على رأسِ موكبٍ عظيمٍ يضمُّ كلَّ جيوشِه والنبلاءَ من أسراه أيضاً.
يسترعي انتباهنا في القداس استبدالُ النشيدِ الشيروبيميِّ الاعتيادي بنشيدِ "ليصمتْ كلُّ جسدٍ بشري" المأخوذِ من ليترجيّة القديسِ يعقوب الرَسول أسقفِ أورشليم، والتي تُعتَبَر من أقدمِ الليترجيّاتِ المسيحيّةِ وأساسها. أمّا ترنيمةُ المناولةِ فتحيِّي قيامةَ المسيح: "لقد استيقظَ الربُّ كالنائمِ وقامَ مخلِّصاً إيّانا" ونحنُ نتناولهُ فصحاً جديداً مقدَّساً جميعَ المؤمنين.
صلاة نصف الليل والسحر والهجمة والقدّاس الإلهي
تشكّلُ صلاةُ نصفِ الليلِ والهجمة وصلاةُ السّحر الجزءَ المخصّصَ بكامِلِه في فرضِ هذا النهار للإشادةِ بالقيامة.
وهنا تلعبُ الدراما المسرحيّةُ دورَها في تمثيل ما حدثَ يومَ السّبتِ في الجحيمِ. واعتلنَ بالنّورِ لبني البشرِ يومَ أحدِ القيامة. إنّ هذه الدراما مهمّةٌ جدّاً برمزيّتِها لفهمِ ما سمّاهُ الآباءُ "العبورَ الفصحيّ". يجتمعُ المؤمنونَ باكراً جدّاً قبلَ طلوعِ الشمس. وبحسب التيبكونَ قبلَ منتصفِ الليل، للقيامِ بصلاةِ نصفِ اللّيلِ والأنوار مطفأة فيرتِّل درجاً قانونُ السبتِ العظيمِ الذي يتحدّثُ عن نزولِ المسيحِ إلى الجحيمِ وانتصارهِ عليها، وتُختَمُ الصلاة بنشيد القيامة باللحن الثاني "لما نزلت إلى الموت".
ثم يُلمَحُ فجأةً نورٌ من الهيكلِ إذ يدعو الكاهنُ المؤمنينَ إلى الإستنارة بنور المسيحِ الذي لا يغرب: "هلمّوا خذوا نوراً من النّورِ الذي لا يغرُب. ومجّدوا المسيحَ الناهض من الأموات!". يشعلُ الحاضرونَ شموعَهم ويخرجونَ من الكنيسة ؛ فلا يبقى فيها أحد. وما هذا إلاّ رمزٌ إلى إخراجِ المسيحِ للجميعِ من ظلمةِ الموتِ وسلطانه.